الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم

( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون )

قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون )

اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق ، فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضا فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : ( وقاتلوا في سبيل الله ) [ البقرة : 190 ] ثم أعقبه بقوله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) [ البقرة : 245 ] والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصةطالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : ( ياأيها الذين آمنوا أنفقوا ) .

إذا عرفت وجه النظم فنقول : في الآية مسائل :

المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله : ( أنفقوا مما رزقناكم ) فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراما ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا .

المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : ( أنفقوا ) مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة ، أم هو عام في كل الإنفاقات ؛ سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال : لأن قوله : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ) كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب ، وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم [ ص: 175 ] إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة .

والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( لا بيع ولا خلة ولا شفاعة ) بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام ( لا بيع فيه ولا خلال ) [ إبراهيم : 31 ] وفي الطور ( لا لغو فيها ولا تأثيم ) [ الطور : 23 ] والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ) [ البقرة : 197 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث