الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثاني

في الأفعال التي هي أركان

وفي هذا الفصل من قواعد المسائل ثماني مسائل :

المسألة الأولى

[ رفع اليدين ]

اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة في ثلاثة مواضع : أحدها : في حكمه . والثاني : في المواضع التي يرفع فيها من الصلاة . والثالث : إلى أين ينتهي برفعها . فأما الحكم ، فذهب الجمهور إلى أنه سنة في الصلاة ، وذهب داود وجماعة من أصحابه إلى أن ذلك فرض ، وهؤلاء انقسموا أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الإحرام فقط . ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح وعند الركوع : ( أعني : عند الانحطاط فيه وعند الارتفاع منه ) ، ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين وعند السجود ، وذلك بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها .

وسبب اختلافهم : معارضة ظاهر حديث أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض الصلاة لفعله - عليه الصلاة والسلام - وذلك أن حديث أبي هريرة إنما فيه أنه قال له : وكبر ولم يأمره برفع يديه ، وثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - من حديث ابن عمر وغيره " أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة " وأما اختلافهم في المواضع التي ترفع فيها فذهب أهل الكوفة أبو حنيفة وسفيان الثوري وسائر فقهائهم إلى أنه لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الإحرام فقط ، وهي رواية ابن القاسم عن مالك ، وذهب الشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور ، وجمهور أهل الحديث وأهل الظاهر إلى الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع ، وعند الرفع من الركوع وهو مروي عن مالك إلا أنه عند بعض أولئك فرض وعند مالك سنة .

وذهب بعض أهل الحديث إلى رفعها عند السجود وعند الرفع منه .

والسبب في هذا الاختلاف كله اختلاف الآثار الواردة في ذلك ، ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها ، وذلك أن في ذلك أحاديث : أحدها : حديث عبد الله بن مسعود ، وحديث البراء بن عازب " أنه كان - عليه الصلاة والسلام - يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها ، والحديث الثاني : حديث ابن عمر عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو [ ص: 114 ] منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا كذلك وقال : " سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " كان لا يفعل ذلك في السجود ، وهو حديث متفق على صحته وزعموا أنه روى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر رجلا من أصحابه .

والحديث الثالث حديث وائل بن حجر ، وفيه زيادة على ما في حديث عبد الله بن عمر " أنه كان يرفع يديه عند السجود " فمن حمل الرفع ههنا على أنه ندب أو فريضة ، فمنهم من اقتصر به على الإحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن مسعود ، وحديث البراء بن عازب وهو مذهب مالك لموافقة العمل به ، ومنهم من رجح حديث عبد الله بن عمر ، فرأى الرفع في الموضعين ( أعني : في الركوع وفي الافتتاح لشهرته ) واتفق الجميع عليه ، ومن كان رأيه من هؤلاء أن الرفع فريضة حمل ذلك على الفريضة ، ومن كان رأيه أنه ندب حمل ذلك على الندب ، ومنهم من ذهب مذهب الجمع وقال : إنه يجب أن تجمع هذه الزيادات بعضها إلى بعض على ما في حديث وائل بن حجر ، فإذا العلماء ذهبوا في هذه الآثار مذهبين : إما مذهب الترجيح ، وإما مذهب الجمع .

والسبب في اختلافهم في حمل رفع اليدين في الصلاة : هل هو على الندب أو على الفرض ؟ هو السبب الذي قلناه قبل من أن بعض الناس يرى أن الأصل في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك ، ومنهم من يرى أن الأصل أن لا يزاد فيما صح بدليل واضح من قول ثابت أو إجماع أنه من فرائض الصلاة إلا بدليل واضح ، وقد تقدم هذا من قولنا ، ولا معنى لتكرير الشيء الواحد مرات كثيرة ، وأما الحد الذي ترفع إليه اليدان ، فذهب بعضهم إلى أنه المنكبان ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وجماعة ، وذهب بعضهم إلى رفعهما إلى الأذنين ، وبه قال أبو حنيفة ، وذهب بعضهم إلى رفعهما إلى الصدر ، وكل ذلك مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن أثبت ما في ذلك أنه كان يرفعهما حذو منكبيه وعليه الجمهور ، والرفع إلى الأذنين أثبت من الرفع إلى الصدر وأشهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث