الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب المبشرات

6589 حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة [ ص: 392 ]

التالي السابق


[ ص: 392 ] قوله : ( باب المبشرات ) بكسر الشين المعجمة جمع مبشرة ، وهي البشرى ، وقد ورد في قوله تعالى : لهم البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة ، أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت ورواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة ، وأخرجه الترمذي أيضا من وجه آخر عن أبي سلمة قال : " نبئت عن عبادة " ، وأخرجه أيضا هو وأحمد وإسحاق وأبو يعلى من طريق عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن عبادة ، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن هذا الرجل ليس بمعروف ، وأخرجه ابن مردويه من حديث ابن مسعود قال : " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فذكر مثله ، وفي الباب عن جابر عند البزار وعن أبي هريرة عند الطبري وعن عبد الله بن عمرو عند أبي يعلى .

قوله : ( لم يبق من النبوة إلا المبشرات ) كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقا لوقوعه والمراد الاستقبال أي لا يبقى ، وقيل هو على ظاهره لأنه قال ذلك في زمانه واللام في النبوة للعهد والمراد نبوته ، والمعنى لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات ، ثم فسرها بالرؤيا ، وصرح به في حديث عائشة عند أحمد بلفظ : " لم يبق بعدي " ، وقد جاء في حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في مرض موته ، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن ابن عباس " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر فقال : يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " الحديث .

وللنسائي من رواية زفر بن صعصعة عن أبي هريرة رفعه أنه : " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " وهذا يؤيد التأويل الأول ، وظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة ، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال : أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا ولا يقال إنه أذن وإن كانت جزءا من الأذان ، وكذا لو قرأ شيئا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليا وإن كانت القراءة جزءا من الصلاة ، ويؤيده حديث أم كرز بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي الكعبية قالت : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ذهبت النبوة وبقيت المبشرات أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان .

ولأحمد عن عائشة مرفوعا لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا وله وللطبراني من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعا : ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه : " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي ولكن بقيت المبشرات ، قالوا : وما المبشرات؟ قال : رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة " ، قال المهلب ما حاصله : التعبير بالمبشرات خرج للأغلب ، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه .

وقال ابن التين : معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ، ويرد عليه الإلهام فإن فيه إخبارا بما سيكون ، وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا ، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث الماضي في مناقب عمر : " قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون " وفسر المحدث بفتح الدال بالملهم بالفتح أيضا ، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة فكانت كما أخبروا ، والجواب أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام فإنه مختص بالبعض ، ومع كونه مختصا فإنه نادر ، فإنما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه ، ويشير إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " فإن يكن " وكان السر في [ ص: 393 ] ندور الإلهام في زمنه وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة وإرادة إظهار المعجزات منه ، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء ، فلما انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصه الله به للأمن من اللبس في ذلك ، وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث