الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الأصل الرابع : دليل العقل والاستصحاب اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل ، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام وتأييدهم بالمعجزات . وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع ، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع ، فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة لا بتصريح النبي بنفيها ، لكن كان وجوبها منتفيا إذ لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي ; لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة فبقي على النفي في حق السادسة وكأن السمع لم يرد ، وكذلك إذا أوجب صوم رمضان بقي صوم شوال على النفي الأصلي ، وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية ، وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه .

فإذا النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها ، أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه ، وأما النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على أحد الشطرين وهو النفي ، فإن قيل : إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع فبعد بعثة الرسل ووضع الشرع لا يعلم نفي السمع فلا يكون انتفاء الحكم معلوما ، ومنتهاكم عدم العلم بورود السمع وعدم العلم لا يكون حجة .

قلنا : انتفاء الدليل السمعي قد يعلم وقد يظن ، فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال ولا على وجوب صلاة سادسة ، إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر ولما خفي على جميع الأمة ، وهذا علم بعدم الدليل ، وليس هو عدم العلم بالدليل ، فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة والعلم بعدم الدليل حجة . أما الظن فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر والأضحية وأمثالهما فرآها ضعيفة ولم يظهر له دليل مع شدة بحثه وعنايته بالبحث غلب على ظنه انتفاء الدليل فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل ; لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد وهو غاية الواجب على المجتهد .

فإن قيل : ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل أو يكون عليه دليل لم يبلغنا ؟ قلنا : أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال ; لأنه تكليف بما لا يطاق ، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع . وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا فليس دليلا في حقنا ، إذ لا تكليف علينا إلا فيما بلغنا . فإن قيل : فيقدر كل عامي أن ينفي مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل . قلنا : هذا إنما يجوز للباحث [ ص: 160 ] المجتهد المطلع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء ، كالذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع أو يدعي غلبة الظن ، أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يبصر ما فيه فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت .

فإن قيل : وهل للاستصحاب معنى سوى ما ذكرتموه ؟ قلنا : يطلق الاستصحاب على أربعة أوجه يصح ثلاثة منها :

الأول : ما ذكرناه .

والثاني : استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد نسخ ، وأما العموم فهو دليل عند القائلين به ، وأما النص دليل على دوام الحكم بشرط أن لا يرد نسخ كما دل العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع مغير .

الثالث : استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه ، كالملك عند جريان العقد المملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ، فإن هذا ، وإن لم يكن حكما أصليا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ، ولولا دلالة الشرع على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه .

فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دل على البراءة العقل وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي ، ومن هذا القبيل الحكم بتكرر اللزوم والوجوب إذا تكررت أسبابها كتكرر شهر رمضان وأوقات الصلوات ونفقات الأقارب عند تكرر الحاجات إذا فهم انتصاب هذه المعاني أسبابا لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرد العموم عند القائلين به أو بالعموم وجملة من القرائن عند الجميع ، وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات وأمارات عرف حملة الشريعة قصد الشارع إلى نصبها أسبابا إذا لم يمنع مانع ، فلولا دلالة الدليل على كونها أسبابا لم يجز استصحابها ، فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي ، وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث والطلب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث