الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الخامس في الاختلاف في الطلاق

جزء التالي صفحة
السابق

الباب الخامس في الاختلاف .

فيه مسائل .

الأولى : قالت : خالعني على كذا ، فأنكر الزوج ، صدق بيمينه . ولو كان [ ص: 431 ] له زوجتان تسميان باسم واحد ، فقال : خالعت فلانة بكذا ، فقبلت إحداهما ، فقال الزوج : أردت الأخرى ، وقالت القائلة : بل أردتني ، فهو المصدق ولا فرقة .

ولو قال : طلقتك بألف ، فقالت : بلا عوض ، صدقت بيمينها في نفي العوض ، ولا يقبل قوله في سقوط سكناها ونفقتها ، وتحصل البينونة بقوله .

ولو قال : خالعتك بالعوض الذي سألت ، فأنكرت أصل السؤال ، فكذلك الحكم .

وإن قالت : طلقتني بعد طول الفصل ، وقال : بل في الحال ، فهي المصدقة في نفي المال أيضا .

ولو قال : طلقتك بعد طول الفصل ولم تقبلي فلي الرجعة ، وقالت : بل طلقتني متصلا بسؤالي ، فلا رجعة لك ، فالمصدق الزوج .

الثانية : اتفقا على الخلع واختلفا في جنس العوض أو قدره أو صفته في الصحة والتكسر والأجل ، ولا بينة ، تحالفا وحصلت البينونة ، وإنما أثر التحالف في العوض .

والقول في أنه هل تنفسخ التسمية ، أم تفسخ إن أصرا على النزاع ، وفي كيفية اليمين ومن يبدأ به على ما تقدم في البيع وفي الرجوع بعد الفسخ أو الانفساخ إلى مهر كتحالفهما في الصداق ؟ وقيل : يرجع بأقل الأمرين من مهر المثل وما ادعاه .

وقيل : بأكثر الأمرين من مهر المثل والمسمى الذي ادعته ، والصحيح الأول .

ولو أقام كل واحد بينة بدعواه ، فهل تتساقطان ، أم يقرع ؟ قولان حكاهما الحناطي . وعلى التقديرين ، هل يحلف ؟ وجهان . وعن ابن سريج ، أنه يعمل بأكثر البينتين .

قلت : الأظهر ، أنهما يسقطان ولا ترجيح بالكثرة . والله أعلم .

ولو خالع أجنبيا واختلفا ، تحالفا وعلى الأجنبي مهر المثل .

[ ص: 432 ] الثالثة : سبق أنه لو خالعها على ألف درهم ، وفي البلد نقد غالب نزل عليه فلو لم يكن ، بطلت التسمية ووجب مهر المثل ، فإن نويا نوعا ، فالصحيح الاكتفاء بالنية ولزوم ذلك النوع .

وقيل : تفسد التسمية ويجب مهر المثل كنظيره في البيع ، والفرق أنه يحتمل هنا ما لا يحتمل في البيع .

ولو قال : خالعتك على ألف ولم يذكر جنسا ، فالصحيح أنه كإبهام النوع ، فإن نويا جنسا ، تعين .

وقيل : يتعين هنا مهر المثل لكثرة الاختلاف في الأجناس . ولو قال : خالعتك على ألف شيء فقبلت ، ونويا شيئا معينا ، قال القاضي حسين : التسمية فاسدة لشدة الإجمال ، فيرجع إلى مهر المثل ، ويمكن أن ينازعه غيره .

ثم قال الشيخ أبو محمد : إنما يؤثر التعيين بالنية إذا تواطآ قبل العقد على ما يقصدانه ولا أثر للتوافق بلا مواطأة ، ولم يعتبر آخرون ذلك ، بل اعتبروا مجرد التوافق .

قلت : هذا الثاني هو الأصح . وقول الشيخ أبي محمد هنا ضعيف . والله أعلم .

وإذا عرفت هذه المقدمة ، فلو تخالعا بألف درهم وأطلقا ، فقال الزوج : أردنا بالدراهم النقرة ، فقالت : بل أردنا بها الفلوس أو على ألف ، فقال : أردنا الدنانير أو الدراهم فقالت : أردنا الفلوس ، فالصحيح أنهما يتحالفان .

وقيل : يجب مهر المثل بلا تحالف .

فلو توافقا على أنه أراد النقرة ، وادعت أنها أرادت الفلوس وقال : بل أردت النقرة أيضا ، حصلت البينونة لانتظام الصيغة ومؤاخذة لها ، وتصدق هي بيمينها . فإذا حلفت ، فلا شيء عليها ؛ لأنها نفت بيمينها النقرة ، ونفى هو الفلوس .

ولو توافقا أنها أرادت الفلوس ، وقال هو : أنا أردت النقرة ، ولا فرقة للمخالفة ، فقالت : [ ص: 433 ] بل أردت الفلوس أيضا وبنت منك ، حصلت البينونة ظاهرا لاتفاق اللفظين .

وهل للزوج مهر المثل ؟ وجهان ، قال القاضي حسين : نعم للبينونة ظاهرا ، والذي اختاره الغزالي : لا ، لإنكاره البينونة وعوضها .

قلت : هذا الثاني هو الأصح ، واختاره أيضا الإمام .

قال الإمام : فإن قيل : لو صدقها بعد ذلك في اتفاق النية ، قلنا : إذ ذاك يطالبها بالمسمى المعين لا بمهر المثل . والله أعلم .

وفي معنى هذه الصورة ما إذا اتفقا على أنه أراد الدراهم ، وزعم أنها أرادت الفلوس ، ولا فرقة ، فقالت : أردت الدراهم وبنت ، فالفرقة حاصلة ، ويعود الوجهان في ثبوت شيء للزوج ، وبالثبوت قطع البغوي ، وقال : لا تحصل الفرقة باطنا إن كان صادقا .

ولو قال : أردت النقرة ولم يتعرض لجانبها ، وقالت : أردت الفلوس ولم تتعرض لجانبه ، حصلت الفرقة .

ثم عن القاضي حسين أنهما يتحالفان . وفي " البسيط " أن الوجه وجوب مهر المثل ؛ لأنه لا يدعي عليها معينا حتى تحلف .

قلت : الأصح ، وجوب مهر المثل بلا تحالف . وقد نقل الإمام الاتفاق عليه ، وجعل مخالفة القاضي في التحالف في غير هذه الصورة . والله أعلم .

ولو قال أحد المتخالعين : أطلقنا الدراهم . وقال الآخر : عينا نوعا تحالفا .

الرابعة : قالت : سألتك ثلاث تطليقات بألف فأجبتني ، فقال : بل سألت واحدة بألف فأجبتك ، فالألف متفق عليه ، لكن اختلفا في المعوض فيتحالفان ، فإذا تحالفا ، فعليها مهر المثل .

والقول في عدد الطلاق الواقع قوله بيمينه . قال [ ص: 434 ] الحناطي : ولو أقام كل واحد بينة على قوله ، فإن اتفق تاريخ البينتين ، تحالفا وإلا فالأسبق تاريخا مقدمة .

ولو قال : طلقتك وحدك بألف ، فقالت : بل طلقتني وضرتي ، تحالفا وعليها مهر المثل . ولو قالت : سألتك واحدة بألف ، فأجبتني فقال : بل طلقتك ثلاثا بألف ، وقع الثلاث ووجب الألف ، ولا معنى لهذا الاختلاف .

ولو قالت : سألتك ثلاثا بألف فطلقتني طلقة ، فلك الثلث فقال : بل ثلاثا فلي الألف ، فإن لم يطل الفصل ، طلقت ثلاثا ولزمها الألف ، وإن طال ولم يمكن جعله جوابا طلقت ثلاثا بإقراره وتحالفا للعوض ، وعليها مهر المثل ، هكذا نص عليه في رواية الربيع .

وفيما نقله أبو بكر الفارسي في " عيون المسائل " واختلف الأصحاب ، فأخذت طائفة بالنص ، وقال البغوي : يتحالفان وله مهر المثل ، ولم يفرق بين طول الفصل وعدمه .

وقال آخرون : النص مشكل في حالتي الاتصال والانفصال . قال الإمام : ينبغي أن يقال في حالة الاتصال ، إن قال الزوج : ما طلقتك من قبل ، والآن أطلقك ثلاثا على ألف ، تقع الثلاث ويجب الألف ؛ لأن الوقت وقت الجواب .

وإن قال : طلقتك من قبل ثلاثا تعذر جعل هذا إنشاء ؛ لأنها بانت قبله ، فيقع الثلاث بإقراره ، ولا يلزمها إلا ثلث الألف كما لو قال : إن رددت أعبدي الثلاثة ، فلك الألف ، فقال : رددتهم وقال : ما رددت إلا واحدا .

وأما في حال الانفصال ، فيحكم بوقوع الثلاث بإقراره وعليها ثلث الألف ، ولا معنى للتحالف ؛ لأن التحالف عند الاختلاف في صفة العقد أو العوض ، [ وهما ] هنا متفقان على أن المسئول ثلاث ، وأن العوض ألف ، [ ص: 435 ] وللزوج أن يحلفها على نفي العلم أنه ما طلقها ثلاثا ، وهذا صحيح وليتأول النص عليه بحسب الإمكان .

فرع

قال الحناطي : قالت : طلقتني ثلاثا بألف فقال : بل طلقتك واحدة بألفين وأقام كل واحد بينة بقوله ، واتفقا أنه لم يطلق إلا مرة ، تحالفا وله مهر المثل .

الخامسة : تخالعا بألف فطالبها به ، فقالت : ضمنه زيد ، لم ينفعها هذا الجواب لأن الضمان لا يقطع الطلب عنها ، وكذا لو قالت : قبلت الخلع على أن يزن زيد عني الألف ، وهي في الصورتين مقرة بالألف .

ولو قالت : قبلت الخلع بألف لي في ذمة زيد ، ففيه خلاف مبني على بيع الدين ، وحاصله أربعة أوجه .

أصحهما : التحالف بناء على صحة بيع الدين ، والثاني : يجب مهر المثل بلا تحالف ، بناء على منعه ، والثالث : تصدق هي بيمينها ، والرابع : هو بيمينه ، نقلهما المتولي بناء على منعه ، وهما الوجهان في الاختلاف في صحة العقد وفساده .

فرع

قال : خالعتك ، فقالت : اختلعني أجنبي لنفسه بماله ، بانت باعترافه ولا شيء عليها ، ولا على الأجنبي . ولو قالت : اختلعت بوكالة زيد وأضفت إليه ، فهل يتحالفان أم تصدق هي أم هو ؟ فيه أوجه ، أصحهما : الأول .

ولو قالت : لم أضف ولكن نويت الاختلاع لزيد ، فإن قلنا : تتوجه المطالبة على الوكيل ، [ ص: 436 ] لم ينقطع طلب الزوج بقولها ، وكذا لو أنكر أصل الوكالة .

وإن قلنا : لا يطالب ، فهل يتحالفان ، أم تصدق هي ، أم هو ؟ فيه الأوجه .

السادسة : طلقها بألف وأرضعت بنتها زوجة أخرى له صغيرة واختلف المتخالعان ، فقال الزوج : سبق الخلع فعليك المال ، وقالت : بل سبق الإرضاع ، فانفسخ النكاح والخلع لغو ، نظر إن اتفقا على جريان الإرضاع يوم الجمعة مثلا وادعى تقدم الخلع ، وادعت تأخره ، فالقول قولها بيمينها ، وإن اتفقا على جريان الخلع يوم الجمعة ، وادعى تأخر الإرضاع ، وادعت تقدمه ، فالقول قوله بيمينه ؛ لأن الأصل استمرار النكاح ، ولأن اشتغالهما بالخلع يدل ظاهرا على بقاء النكاح ، كما لو تخالعا ، ثم ادعت أنه طلقها قبل الخلع ثلاثا ، أو ادعت إقراره بفساد النكاح فأنكر ، فإنه يصدق بيمينه وتستمر صحة الخلع .

السابعة : تخالعا ثم قال هو : كنت مكرهة ، فلي الرجعة فأنكرت الإكراه ، لم يقبل قوله في الظاهر ، وعليه رد المال لاعترافه . ولو ادعت الإكراه ، فأنكر ، صدق بيمينه ، ولزمها المال .

فلو أقامت بينة بالإكراه ، لزمه رد المال ولا رجعة لاعترافه بالبينونة ، فلو لم يصرح بالإنكار ، أو سكت ، أو كانت الخصومة مع وكيله ، فله الرجعة ، إذ أقامت البينة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث