الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب الرابع

في صلاة السفر .

- وهذا الباب فيه فصلان :

الفصل الأول : في القصر . الفصل الثاني : في الجمع . الفصل الأول

في القصر .

والسفر له تأثير في القصر باتفاق ، وفي الجمع باختلاف .

أما القصر فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا قولا شاذا ، وهو قول عائشة : وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) وقالوا : إن النبي - عليه الصلاة والسلام - إنما قصر ; لأنه كان خائفا ، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع :

[ ص: 141 ] أحدها : في حكم القصر . والثاني : في المسافة التي يجب فيها القصر . والثالث : في السفر الذي يجب فيه القصر . والرابع : في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالتقصير . والخامس : في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة .

[ الموضع الأول ]

[ حكم القصر ]

فأما حكم القصر ، فإنهم اختلفوا فيه على أربعة أقوال : فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه . ومنهم من رأى أن القصر والإتمام كلاهما فرض مخير له كالخيار في واجب الكفارة . ومنهم من رأى أن القصر سنة . ومنهم من رأى أنه رخصة وأن الإتمام أفضل ، وبالقول الأول قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والكوفيون بأسرهم ( أعني أنه فرض متعين ) وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعي وبالثالث ( أعني أنه سنة ) قال مالك في أشهر الروايات عنه .

وبالرابع ( أعني أنه رخصة ) قال الشافعي في أشهر الروايات عنه ، وهو المنصور عند أصحابه .

والسبب في اختلافهم : معارضة المعنى المعقول لصيغة اللفظ المنقول ، ومعارضة دليل الفعل أيضا للمعنى المعقول ولصيغة اللفظ المنقول ، وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة للمسافر إنما هو الرخصة لموضع المشقة كما رخص له في الفطر ، وفي أشياء كثيرة ، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية قال : " قلت لعمر : إنما قال الله : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) يريد في قصره الصلاة في السفر ، فقال عمر : " عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما سألتني عنه فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته " فمفهوم هذا الرخصة .

وحديث أبي قلابة عن رجل من بني عامر أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله وضع عن المسافر الصوم ، وشطر الصلاة " وهما في الصحيح ، وهذا كله يدل على التخفيف والرخصة ورفع الحرج ، لا أن القصر هو الواجب ، ولا أنه سنة .

وأما الأثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول ، ومفهوم هذه الآثار فحديث عائشة الثابت باتفاق قالت " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر " وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول ومفهوم الأثر المنقول فإنه ما نقل عنه - عليه الصلاة والسلام - من قصر الصلاة في كل أسفاره ، وأنه لم يصح عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه أتم الصلاة قط فمن ذهب إلى أنه سنة أو واجب مخير فإنما حمله على ذلك أنه لم يصح عنده " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - أتم الصلاة وما هذا شأنه " فقد يجب أن يكون أحد الوجهين : ( أعني : إما واجبا مخيرا ، وإما أن [ ص: 142 ] يكون سنة ) وإما أن يكون فرضا معينا ، لكن كونه فرضا معينا يعارضه المعنى المعقول ، وكونه رخصة يعارضه اللفظ المنقول ، فوجب أن يكون واجبا مخيرا أو سنة ، وكان هذا نوعا من طريق الجمع ، وقد اعتلوا لحديث عائشة بالمشهور عنها من أنها كانت تتم ، وروى عطاء " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتم الصلاة في السفر ويقصر ويصوم ويفطر ويؤخر الظهر ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء " ومما يعارضه أيضا حديث أنس ، وأبي نجيح المكي قال : اصطحبت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان بعضهم يتم وبعضهم يقصر وبعضهم يصوم ، وبعضهم يفطر ، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء ، ولم يختلف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة ، فهذا هو اختلافهم في الموضع الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث