الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوقف على قرابته أو قرابة فلان

جزء التالي صفحة
السابق

وإن وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو للذكور والإناث من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى ، وعنه : إن كان يصل قرابته من قبل أمه في حياته صرف إليهم ، وإلا فلا ، وأهل بيته بمنزلة قرابته ، وقال الخرقي : يعطى من قبل أبيه وأمه وقومه ، ونسباؤه كقرابته ، والعترة هم العشيرة ، وذوو رحمه كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات ، والأيامى والعزاب من لا زوج له من الرجال والنساء ، ويحتمل أن يختص الأيامى بالنساء والعزاب بالرجال ، فأما الأرامل فهن النساء اللاتي فارقهن أزواجهن ، وقيل : هو للرجال والنساء .

التالي السابق


( وإن وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو للذكور والإناث من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى ) ؛ لقوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى [ الحشر : 7 ] ، فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - أولاده وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم ذكرهم وأنثاهم ، ولم يعط من هو أبعد كبني عبد شمس وبني نوفل شيئا ، لا يقال : هما كبني المطلب ; لأنه علل عليه السلام بأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام ، ولم يعط قرابة أمه وهم بنو زهرة شيئا ، وجعل هاشما الأب الرابع ، ولا يتصور أن يكون رابعا إلا أن يعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ، وظاهره أنه يستوي فيه الذكر والأنثى ، والكبير والصغير ، والقريب والبعيد ، والغني والفقير لشمول اللفظ لهم ، ولا يدخل في الكافر ; لأنه لم يدخل في المستحق من قربى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعنه : يجاوز بها أربعة آباء ، فعليها يعطى كل من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى ; لأنهم قرابتهم ، فيتناولهم من اللفظ ، وعنه : ثلاثة آباء ( وعنه : إن كان يصل قرابته من قبل أمه في حياته ) كإخوته لأمه ، وأخواله ، وخالاته ( صرف إليهم ) ؛ لأن صلته إياهم في حياته قرينة تدل على إرادتهم بصلته هذه ( وإلا فلا ) ، أي وإن لم يصلهم في حياته فلا يصرف إليهم ؛ لما ذكرنا ، وهذه الرواية نقلها صالح ، وعبد الله ، وابن هانئ ، وصححها القاضي وجماعة ، ونقل صالح : إن وصل أغنياءهم أعطوا وإلا الفقراء أولى ، وأخذ منه الحارثي عدم دخولهم في كل لفظ عام .

[ ص: 345 ] والأول أولى وأصح ; لأن هذا عرف في الشرع ، فيجب حمله عليه وتقديمه على العرف اللغوي كالوضوء ، ولا وجه لتخصيصه بذي الرحم المحرم ، وهذا مع الإطلاق ، فأما إن وجدت قرينة لفظية أو حالية تدل على إرادتهم ، أو حرمانهم عمل بها .

فرع : قرابة أمه كذلك ، وعنه : إن وصلهم شملهم ، ومثله قرابة غيره أو الفقهاء ، ويصل بعضهم ، ذكره القاضي .

تنبيه : إذا وقف على أقرب قرابته ، أو أقرب الناس إليه قدم الأقرب نسبا وإرثا ، وابنه كأبويه ، وقيل : يقدم عليهما ، وأخوه لأبيه أو أبويه كجد أب ، وقيل : عكسه ، وأخوه لأبيه كأمه إن شمل قرابته ، وكذا أبناؤهما ، وولد أبويه أولى منهما ، قال في " الفروع " : ويتوجه رواية كأخيه لأبيه لسقوط الأمومة في النكاح ، وجزم به في " التبصرة " ، وأبوه أولى من ابن ابنه ، وفي " الترغيب " عكسه ، ويستوي جداه وعماه كأبويه ( وأهل بيته بمنزلة قرابته ) ، نص عليه في رواية عبد الله فيمن أوصى بثلث ماله لأهل بيته ، قال : هو بمنزلة قوله : لقرابتي ، حكاه ابن المنذر عنه ، واحتج بقوله عليه السلام : لا تحل الصدقة لي ولا لأهل بيتي ، فجعل سهم ذوي القربى عوضا لهم من الصدقة التي حرمت عليهم ، فكان ذوي القربى الذين سماهم الله تعالى هم أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة ، وهم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس ، وحكى القاضي عن ثعلب أن أهل البيت عند العرب آباء الرجل وأولادهم ، كالأجداد والأعمام وأولادهم ، ويستوي فيه الذكر والأنثى ، وقال القاضي : ولد الرجل لا يدخل في اسم القرابة ولا أهل بيته ، وفيه شيء ، فإن ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيته وأقاربه [ ص: 346 ] الذين حرموا الصدقة ، وأعطوا من سهم ذوي القربى ، بل هو أقرب قرابته ( وقال الخرقي : يعطى من قبل أبيه وأمه ) ؛ لأن أمه من أهل بيته ، فكذا أقاربها من أولادها ، وأبويها ، وإخوتها ، وأخواتها ، ونقل صالح : يختص من يصله من قبل أبيه وأمه ، ولو جاوز أربعة آباء ، وإن القرابة تعطى أربعة آباء فمن دون ، واختار أبو محمد الجوزي أن قومه وأهل بيته كقرابة أبويه ، وأن القرابة قرابة أبيه إلى أربعة آباء ، وعنه : أزواجه من أهله ومن أهل بيته ، ذكرها الشيخ تقي الدين ، وقال : في دخولهن في آله وأهل بيته روايتان ، اختار الدخول ، وهو قول الشريف .

فرع : أهل الوقف هم المتناولون له .

( وقومه ، ونسباؤه كقرابته ) ، نص عليه ; لأن قوم الرجل قبيلته ، وهم نسباؤه ، وقيل : كذي رحمه ، وقال أبو بكر : هو بمثابة أهل بيته ; لأن أهل بيته أقاربه ، وأقاربه هم قومه ونسباؤه ، وقال القاضي : إذا قال : لرحمي ، أو لأرحامي ، أو لنسبائي - صرف إلى قرابته من قبل أبيه وأمه ، ويتعدى ولد الأب الخامس ، فعليه يدفع إلى كل من يرثه بفرض أو تعصيب أو بالرحم في حال ، قال في " المغني " : وقول أبي بكر في المتناسبين أولى من قول القاضي ; لأن ذلك في العرف على من كان من العشيرة التي ينسبان إليها ، وإذا كان كل واحد منهما ينسب إلى قبيلة غير قبيلة صاحبه ، فليس بمناسب لها .

فائدة : القوم للرجال دون النساء ؛ لقوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم [ الحجرات : 11 ] الآية ، سموا به لقيامهم بالأمر ، ذكره ابن الجوزي .

[ ص: 347 ] ( والعترة هم العشيرة ) الأدنون ، هذا أصح وأشهر في عرف الناس ، وبذلك فسره ابن قتيبة ؛ لقول أبي بكر في محفل من الصحابة : نحن عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر أحد ، وهم أهل اللسان ، فلا يعول على خلافه ، لكن توقف أحمد في ذلك ، وقيل : ذريته ، وقيل : ولده وولد ولده ( وذوو رحمه كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات ) والأولاد ; لأن الرحم تشملهم ، وهي في القرابة من جهة الأم أكثر استعمالا ، فإذا لم يجعل ذلك مرجحا فلا يجعل ذلك مانعا ، وذكر القاضي مجاوزته للأب الخامس .

تذنيب : إذا وقف على جماعة أو جمع من الأقرب إليه فثلاثة ، فإن لم يكن يتمم العوز من الأبعد ، ويشمل أهل الدرجة ولو كثروا ، وفي " الفروع " : ويتوجه في جماعة اثنان ; لأنه لفظ مفرد ، وقال المجد : أقل الجمع مما له تثنية خاصة ثلاثة ، ويتوجه وجه في لفظ الجمع اثنان ، ولفظ النساء ثلاثة ، والرهط لغة ما دون العشرة من الرجال خاصة ، وفي " كشف المشكل " : هو ما بين الثلاثة إلى العشرة .

( والأيامى والعزاب من لا زوج له من الرجال والنساء ) ، ذكره أصحابنا ؛ لما روي عن سعيد بن المسيب قال : أيمت حنة من زوجها ، وأيم عثمان من رقية . يقال : رجل عزب ، وامرأة عزبة ، قاله ثعلب ، وإنما سمي عزبا لانفراده ، ولا يقال : أعزب ، ورد بأنها لغة حكاها الأزهري عن أبي حاتم ، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر : وكنت شابا أعزب . وسواء تزوج الرجل أو لا ، والمرأة سواء كانت بكرا أو ثيبا ، وقيل : لا يكون الأيم إلا بكرا ( ويحتمل أن يختص [ ص: 348 ] الأيامى بالنساء ، والعزاب بالرجال ) ؛ لقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم [ النور : 32 ] ، وفي الخبر : أعوذ بالله من سرار الأيم ، إنما أراد به النساء ; لأن العرف اختصاصهن بهذا الاسم العرفي ، يقال : امرأة أيم ، بغير هاء ، ولو كان الرجل مشاركا لها لقيل : أيم ، وأيمة كقائم وقائمة ، وحكى أبو عبيد " أيمة " ؛ ولأن العرف أن العزب يختص بالرجل ( فأما الأرامل فهن النساء اللاتي فارقهن أزواجهن ) بموت أو غيره ، قال أحمد في رواية حرب ، وقد سئل عن رجل وصى لأرامل بني فلان ، فقال : قد اختلف الناس فيها ، فقال قوم : هو للرجال والنساء ، والذي يعرف في كلام الناس أن الأرامل النساء ; لأنه هو المعروف ، فيحمل المطلق عليه ( وقيل : هو للرجال والنساء ) ، وقاله الشعبي وإسحاق وأنشد :


هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

فيقال : رجل أرمل ، وامرأة أرملة ، والأول أولى ; لأن الأرامل جمع أرملة ، فلا يكون جمعا للمذكر ; لأن اختلاف المفرد يقتضي اختلاف الجمع ، والشعر لا دلالة فيه ; لأنه لو شمل لفظ الأرامل للمذكر والمؤنث لقال : حاجتهم ; لأن تذكير الضمير عند اجتماع النوعين لازم ، وسمى نفسه أرملا تجوزا بدليل أنه وصف نفسه بأنه مذكر ، ولو ثبت في الحقيقة أنه لهما لكن خصه أهل العرف بالنساء ، فهجرت الحقيقة ، وصارت مغمورة .

فرع : إخوته ، وعمومته ، وبكر ، وثيب ، وعانس لذكر وأنثى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث