الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء بعد دخوله

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء بعد دخوله بنى على صلاته وأجزأته صلاته " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : إذا دخل المتيمم في الصلاة ثم وجد الماء في تضاعيفها ، وقبل خروجه منها فقد اختلف الفقهاء هل تبطل صلاته برؤية الماء أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أن صلاته لا تبطل برؤيته ، وبه قال مالك .

وقال أبو حنيفة : قد بطلت صلاته برؤيته ، وبه قال المزني ، قال العباس بن سريج ، ومذهب المزني أحب إلينا ، والمزني سوى بين صلاة الفرض والعيدين في بطلانها برؤية الماء ، وأبو حنيفة فرق بينهما فأبطل برؤية صلاة الفرض دون صلاة العيدين والنفل ، وفرق أبو حنيفة أيضا بين رؤية الماء المطلق ، وبين سؤر الحمار ، واستدلوا على بطلان الصلاة برؤية الماء ، وأنه كالحدث فيها بقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : ] . فلم يجعل الله تعالى للتيمم حكما مع وجود الماء وبقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك . ولم يفرق بين حال الصلاة وغيرها ، قالوا : ولأن كل ما أبطل التيمم قبل الصلاة أبطله في الصلاة كالحدث ، ولأنها طهارة ضرورة فوجب أن يرتفع حكمها بزوال الضرورة كالمستحاضة إذا ارتفعت استحاضتها ، ولأنه مسح قام مقام غيره فوجب أن يبطل بظهور أصله ، كالمسح على الخفين يبطل بظهور القدمين ، ولأن الصلاة إذا جاز أداؤها بالعذر على [ ص: 253 ] صفة كان زوال ذلك العذر مانعا من إجزائها على تلك الصفة ، كالمريض إذا صح ، والأمي إذا تعلم الفاتحة ، والعريان إذا وجد ثوبا ، واستدل المزني بدليلين :

أحدهما : أن التيمم في الطهارة بدل من الماء عند فقده كما أن الشهور في العدة بدل من الأقراء عند فقد الحيض ، فلما كانت المعتدة بالأشهر إذا رأت الحيض لزمها الانتقال إلى الأقراء ، وجب إذا رأى المتيمم الماء في صلاته أن ينتقل إلى استعمال الماء .

والثاني : أن رؤية الماء حدث استشهادا بأن رجلين لو تيمم أحدهما ، وتوضأ الآخر ثم أحدث المتوضئ ووجد المتيمم الماء كان طهرهما منتقضا ، واستعمال الماء لهما لازما ، وإذا كان بما دل الشاهد عليه حدثا ، كان حكمه في الصلاة وقبلها سواء .

فصل : ودليلنا قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] إلى قوله : فلم تجدوا ماء فتيمموا . فموضع الدليل منها هو أنه أمر باستعمال الماء في الحال التي لو لم يجد فيها الماء لتيمم فلما كان وقت الأمر بالتيمم قبل الصلاة وجب أن يكون وقت الأمر باستعمال الماء قبل الصلاة ، ولأن كل صلاة لو رأى فيها سؤر الحمار لم تبطل وجب إذا رأى فيها الماء المطلق أن لا تبطل كصلاة العيدين طردا ، ومن على بدنه النجاسة عكسا ، ولأنه ماء لو وجده في صلاة العيدين لم تبطل فإذا وجدها في غيرها من الصلوات لم تبطل ، كسؤر الحمار ، ولأنه افتتح الصلاة بطهور فوجب أن لا يبطل برؤية الطهور ، كالمتوضي إذا رأى الماء أو التراب ، والمتيمم إذا رأى التراب ، ولأنه افتتح الصلاة بالتيمم لعجزه عن الماء فوجب أن لا يبطل تيممه بالقدرة على الماء ، كالمريض إذا صح في تضاعيف الصلاة ، ولأن الوضوء شرط لو اتصل عدمه إلى الفراغ من الصلاة لخلت الذمة عن وجوبها بأدائها ، فوجب أن لا تبطل الصلاة بالقدرة عليها في تضاعيفها كالعريان إذا وجد ثوبا ، ولأن كل بدل ومبدل وصفا في الشرع لاستباحة غيرهما فإنه متى قدر على المبدل بعد استباحة المقصود بالبدل سقط حكمه كالمعتدة بالشهور إذا رأت الدم وقد تزوجت بعد انقضاء العدة ، وكذا المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة ولأنه قد يتوصل إلى الوضوء بثمن الماء ، كما يتوصل إليه بالماء ، فلما لم تبطل صلاته بوجود الثمن بعد عدمه لم تبطل صلاته بوجود الماء بعد عدمه وتحريره قياسا على أن ما يتوصل به إلى الوضوء إذا قدر عليه بعد افتتاح الصلاة لم يؤثر وجوده في الصلاة ، كالثمن ، ولأن كل حالة لا يلزمه التوصل إلى الأصل لوجود ثمنه لم يلزمه الرجوع إلى الأصل بوجود عينه ، كالمكفر إذا أيسر بعد صومه ، ولأن كل حال لا يلزمه فيها طلب الماء لا يلزمه فيها استعمال الماء ، قياسا على ما بعد [ ص: 254 ] الصلاة ، ولأن التيمم يصح بشرطين : السفر وعدم الماء ، ثم لو نقض السفر بالإقامة في تضاعيف الصلاة لم يبطل به التيمم ، وإن كان يبطل به قبل الصلاة .

فكذا إذا وجد الماء في تضاعيف الصلاة لم يبطل به التيمم ، وإن كان يبطل به قبل الصلاة ، وكذا إذا وجد الماء في تضاعيف الصلاة لم يبطل به التيمم ، وإن كان يبطل به قبل الصلاة .

وتحريره قياسا أنه أحد شرطي التيمم فوجب أن لا يؤثر في التيمم بعد افتتاح الصلاة ما كان مؤثرا فيه قبل الصلاة كالإقامة .

فصل : فأما الجواب عن الآية فهو ما ذكرناه من طريق الاستدلال بها وهو أنها تقتضي قبل التيمم وصحته عند عدم الماء ، وقد تيمم بظاهر الآية تيمما صحيحا ، وهم يمنعونه من استصحاب حكمه بعد تقدم صحته فكان ظاهرها دالا عليه .

وأما الجواب عن الخبر فمن وجهين :

أحدهما : أن قوله " فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " محمول على وجوب استعماله بالماء يستقبل من الصلاة .

والثاني : أن الأمر باستعماله متوجه إلى حالة الطلب للماء ، وذلك قبل الصلاة وكذا وجوب الاستعمال قبل الصلاة . وأما الجواب على قياسهم على الحدث فمنتقض بما ذكرنا من الإقامة في دلائلنا يبطل بها التيمم قبل الصلاة ، ولا يبطل بها التيمم في الصلاة ، وينتقض بوجود الثمن أيضا ، وقد جعلناه دليلا ثم المعنى في الحدث أنه يبطل التيمم في صلاة العيدين ، فأبطله في صلاة الفرض ، ورؤية الماء لا تبطل التيمم في صلاة العيدين فلم تبطله في صلاة الفرض ، وأما الجواب عن قياسهم على المستحاضة فلأصحابنا في بطلان صلاتها بارتفاع الاستحاضة وجهان :

أحدهما : وهو قول أبي العباس ، أن صلاتها لا تبطل كالمتيمم فسقط الاستدلال .

والثاني : أنها باطلة ، فعلى هذا يكون الجواب عنه من وجهين :

أحدهما : أن المستحاضة حاملة للنجاسة فلزمها استعمال الماء لإزالته ، وليس كذلك المتيمم .

والثاني : أن المستحاضة ليست في طهارة من وضوء ولا في بدل من التيمم ، وهذا [ ص: 255 ] وإن لم يكن في وضوء فهو في تيمم ، وأما الجواب عن قياسهم على المسح على الخفين ، فهو أن المعنى في ظهور القدمين أن يبطل صلاة العيدين ، وليس كذلك رؤية الماء .

وأما الجواب عن قياسهم على العريان إذا وجد ثوبا والمريض إذا صح فهو أننا قد جعلنا العريان أصلا واستخرجنا منه دليلا ، ثم هذه الأحوال لا تبطل الصلاة وإنما تغير صفة إتمامها ثم منتقض عليه بسؤر الحمار ، ووجود الثمن وحدوث الإقامة ثم تغلب عليهم . فيقال فوجب أن لا تبطل الصلاة كالصحة ووجود الثوب .

وأما الجواب عما استدل به المزني من العدة فهو أن الانتقال من الشهور إلى الأقراء وإن كان لازما لها فقد اختلف أصحابنا في الماضي من شهورها قبل رؤية الدم هل يكون قرءا يعتد به أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : أنه قرء معتد به .

والثاني : ليس بقرء ، ولا يقع الاعتداد به فإن جعلنا ما مضى قرءا لم تبطل الشهور برؤية الدم فيلزم على هذا أن لا تبطل الصلاة والتيمم برؤية الماء ، ويكون الاستدلال به منعكسا عليه ، وإن لم يجعل الماضي قرءا وأبطلنا الشهور برؤية الدم ، كان الفرق بين المتيمم وبين المعتدة من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن المعتدة لما جاز أن تعتد بزمن لا تحتسب به وهو الحيض جاز أن يكون الماضي قبل دمها عفوا .

والثاني : أن المعتدة بالشهور دخلت فيها بالشك وغلبة الظن في تأخير الحيض ، فإذا رأت الدم انتقلت إليه كالحاكم إذا اجتهد ثم علم مخالفة النص والمتيمم متيقن لعدم الماء فصار كالحاكم إذا حدث بعد حكمه بالاجتهاد نص .

والثالث : أن الاعتبار في العدة بانتهائها ، وكذلك إن جاز أن تنتقل من الحيض إلى غيره ، وهو الحمل اعتبارا بالانتهاء ، والصلاة في الطهارة معتبرة بابتدائها ولذلك لم ينتقل عن الماء إلى التراب على أننا قد جعلنا العدة لنا دليلا فكان وجه الاستدلال بها في الجواب كافيا ، وأما الجواب عن قوله بأن رؤية الماء حدث فهو أنه فاسد ، لأن المتيمم محدث والحدث لا يكون له حكم إذا طرأ على الحدث ، والمانع من رؤية الماء أن يكون حدثا إن متيممين لو تيمم أحدهما عن حدث ، والآخر عن جنابة ، ثم وجد الماء لزم الجنب أن يغتسل ، والمحدث أن يتوضأ ولو كان رؤيته حدثا لاستوى حكمهـما فيما يلزمهما من وضوء وغسل : لأن الحدث الواحد لا يجوز أن يوجب حكمين مختلفين .

[ ص: 256 ] فإن قيل : فلم لزمه استعمال الماء برؤيته قبل الصلاة ولم يلزمه استعماله برؤيته في الصلاة .

قيل : لأنه بعد الإحرام بالصلاة في عبادة منعت حرمتها من الانتقال عنها وهو قبل الصلاة بخلافها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث