الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الأنجاس وتطهيرها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 190 ] باب الأنجاس وتطهيرها ( تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه ) لقوله تعالى { وثيابك فطهر } .

[ ص: 191 - 192 ] وقال عليه الصلاة والسلام { حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره } وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب وجب في البدن والمكان فإن الاستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل

التالي السابق


باب الأنجاس وتطهيرها ( قوله تطهير النجاسة ) أي نفس محلها أما هي فلا تطهر ( واجب ) مقيد بالإمكان وبما إذا لم يستلزم ارتكاب ما هو أشد ، حتى لو لم يتمكن من إزالتها إلا بإبداء عورته للناس يصلي معها لأن كشف العورة أشد ، فلو أبداها للإزالة فسق ، إذ من ابتلي بين أمرين محظورين عليه أن يرتكب أهونهما ، أما من به نجاسة وهو محدث إذا وجد ماء يكفي أحدهما فقط إنما وجب صرفه إلى النجاسة لا الحدث ليتيمم بعده فيكون محصلا للطهارتين ، لا لأنها أغلظ من الحدث ولا أنه صرف إلى الأخف حتى يرد إشكالا كما قاله حماد حتى أوجب صرفه إلى الحدث ، وقولنا ليتيمم بعده هو ليقع تيممه صحيحا اتفاقا ، أما لو تيمم قبل صرفه إلى النجاسة فإنه يجوز عند أبي يوسف خلافا لمحمد بناء على ما مر في التيمم من أنه مستحق الصرف إليها فكان معدوما في حق الحدث ، وأما إذا لم يتمكن من الإزالة لخفاء خصوص المحل المصاب مع العلم بتنجس الثوب قيل : الواجب غسل طرف منه ، فإن غسله بتحر أو بلا تحر طهر ، وذكر الوجه بين أن لا أثر للتحري وهو أن يغسل بعضه مع أن الأصل طهارة الثوب وقع الشك [ ص: 191 ] في قيام النجاسة لاحتمال كون المغسول محلها فلا يقضى بالنجاسة بالشك ، كذا أورده الإسبيجابي في شرح الجامع الكبير .

قال : وسمعت الشيخ الإمام تاج الدين أحمد بن عبد العزيز يقوله ويقيسه على مسألة في السير الكبير هي إذا فتحنا حصنا وفيهم ذمي لا يعرف لا يجوز قتلهم لقيام المانع بيقين ، فلو قتل البعض أو أخرج حل قتل الباقي للشك في قيام المحرم كذا هنا .

وفي الخلاصة بعد ما ذكره مجردا عن التعليل ، فلو صلى معه صلوات ثم ظهرت النجاسة في طرف آخر يجب إعادة ما صلى ا هـ .

وفي الظهيرية الثوب فيه نجاسة لا يدري مكانها يغسل الثوب كله انتهى . وهو الاحتياط .

وذلك التعليل مشكل عندي ، فإن غسل طرف يوجب الشك في طهر الثوب بعد اليقين بنجاسته قبل .

وحاصله أنه شك في الإزالة بعد تيقن قيام النجاسة ، والشك لا يرفع المتيقن قبله ، والحق أن ثبوت الشك في كون الطرف المغسول والرجل المخرج هو مكان النجاسة والمعصوم الدم يوجب ألبتة الشك في طهر الباقي وإباحة دم الباقين ، ومن ضرورة صيرورته مشكوكا فيه ارتفاع اليقين عن تنجسه ومعصوميته ، وإذا صار مشكوكا في نجاسته جازت الصلاة معه إلا أن هذا إن صح لم يبق لكلمتهم المجمع عليها أعني قولهم : اليقين لا يرفع بالشك معنى ، فإنه حينئذ لا يتصور أن يثبت شك في محل ثبوت اليقين ليتصور ثبوت شك فيه لا يرتفع به ذلك اليقين ، فعن هذا حقق بعض المحققين أن المراد لا يرفع حكم اليقين ، وعلى هذا التقدير يخلص الإشكال في الحكم لا الدليل فنقول : وإن ثبت الشك في طهارة الباقي ونجاسته لكن لا يرتفع حكم ذلك التيقن السابق لنجاسته وهو عدم جواز الصلاة فلا يصح بعد غسل الطرف لأن الشك الطارئ لا يرفع حكم اليقين السابق على ما حقق من أنه هو المراد من قولهم اليقين لا يرتفع بالشك فقتل الباقي والحكم بطهارة الباقي مشكل والله أعلم .

ثم المعتبر في طهارة المكان موضع القدم رواية واحدة ، وموضع السجود في أصح الروايتين عن أبي حنيفة وهو قولهما : ولا يجب طهارة موضع الركبتين واليدين لأن وضعها ليس فرضا عندهم ، لكن في فتاوى قاضي خان : وكذا لو كانت النجاسة في موضع السجود أو موضع الركبتين أو اليدين : يعني تجمع وتمنع فإنه قدم هذين اللفظين حكما لما إذا كانت النجاسة تحت كل قدم أقل من درهم ، ولو جمعت صارت أكثر من درهم ، قال : ولا يجعل كأنه لم يضع العضو على النجاسة ، وهذا كما لو صلى رافعا إحدى قدميه جازت صلاته ، ولو وضع القدم على النجاسة لا يجوز ولا يجعل كأنه لم يضع انتهى لفظه .

وهو يفيد أن عدم اشتراط طهارة مكان اليدين والركبتين هو إذا لم يضعهما أما إن وضعهما اشترطت فليحفظ هذا ، وليعلم أن عدم اشتراط طهارة مكان الركبتين واليدين لم يثبته الفقيه أبو الليث ، وعليه بنى وجوب وضع الركبتين في السجود .

في التجنيس إذا لم يضع ركبتيه عند السجود لا يجزئه لأنا أمرنا بالسجود على سبعة أعظم هذا اختيار الفقيه أبي الليث ، وفتوى مشايخنا على أنه يجوز لأنه لو كان موضع الركبتين نجسا جاز .

قال : والفقيه أبو الليث ينكر هذه الرواية : إنه إذا كان موضع الركبتين نجسا يجوز انتهى .

ثم لو كان المكان نجسا فبسط عليه ثوب طاهر إن شفه لا تجوز فوقه وإلا جازت ولو كانت النجاسة على جانبه وصلى على طرف طاهر آخر منه جاز سواء [ ص: 192 ] تحرك النجس أو لا هو الصحيح ، بخلاف ما إذا كانت في طرف عمامته أو منديله المقصود ثوب هو لابسه فألقى ذلك الطرف على الأرض وصلى فإنه إن تحرك بحركته لا يجوز ، وإلا يجوز لأنه بتلك الحركة ينسب لحمل النجاسة بخلافها في المفروش ، ولو صلى على ما له بطانة متنجسة وهو قائم على ما يلي موضع النجاسة من الطهارة ، عن محمد يجوز ، وعن أبي يوسف لا يجوز ، وقيل جواب محمد في غير المضرب فيكون حكمه حكم ثوبين ، وجواب أبي يوسف في المضرب فحكمه حكم ثوب واحد فلا خلاف بينهما .

قال المصنف رحمه الله في التجنيس : والأصح أن المضرب على الخلاف ذكره الحلواني انتهى .

ولو كان لبدا أصابته نجاسة فقلبه وصلى على الوجه الآخر ، عن محمد يجوز ، وعن أبي يوسف لا ، ولو صلى على الدابة وفي سرجها أو ركابها نجاسة مانعة فجماعة على أنه لا يجوز .

قال في المبسوط : وأكثر مشايخنا جوزوا لما قال في الكتاب والدابة أشد من ذلك : يعني أن باطنها محل النجاسة وتترك عليها الأركان وهي أقوى من الشرائط ، ويمكن أن يريد بقوله : أشد من ذلك ما على ظاهرها إذ لا يخلو مخرجها وحوافرها وقوائمها عن النجاسة وفيه نظر .

( قوله وقال صلى الله عليه وسلم { حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء } ) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت { جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به ؟ قال : تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه } متفق عليه . وأخرجه الترمذي كذلك ، ولفظ اغسليه غير محفوظ فيه بل في حديث أم قيس بنت محصن سألته عن دم الحيض فقال صلى الله عليه وسلم { حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر } أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه .

والحت : القشر بالعود والظفر ونحوه ، والقرص بأطراف الأصابع ( قوله وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب وجب في البدن والمكان ) بطريق أولى لأنهما ألزم للمصلي منه لتصور انفصاله بخلافهما



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث