الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القول في أحكام المحارم قال الأصحاب : المحرم من حرم نكاحها على التأبيد ، بنسب أو بسبب مباح لحرمتها فخرج بالأول : ولد العمومة ، والخؤولة . وبقولنا " على التأبيد " أخت الزوجة وعمتها ، وخالتها . وبقولنا " بسبب مباح " أم الموطوءة بشبهة ، وبنتها ، فإنها محرمة النكاح ، وليست محرما ; إذ وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة . وبقولنا " لحرمتها " الملاعنة فإنها حرمت تغليظا عليه والأحكام التي للمحرم مطلقا ، سواء كان من نسب أو رضاع ، أو مصاهرة : [ ص: 262 ] تحريم النكاح وجواز النظر ، والخلوة ، والمسافرة ، وعدم نقض الوضوء .

أما تحريم النكاح فلا يشاركه فيه على التأبيد إلا الملائكة ، وسائر المحرمات ، فليست على التأبيد ، فأخت الزوجة ، وعمتها ، وخالتها : تحل بمفارقتها ، والأمة : تحل إذا عتقت ، أو أعسر . والمجوسية : تحل إذا أسلمت . والمطلقة ثلاثا : تحل إذا نكحت زوجا غيره .

وأما جواز النظر فهل يشاركه فيه العبد ؟ وجهان صحح الرافعي منهما : الجواز ووافقه النووي في المنهاج . وقال في الروضة من زوائده : فيه نظر وصحح في مجموع له على المهذب : التحريم . وبالغ فيه ، وعبارته : هذه المسألة مما تعم بها البلوى . ويكثر الاحتياج إليها ، والخلاف فيها مشهور . والصحيح عند أكثر أصحابنا : أنه محرم لها ، كما نص عليه الشافعي . ونقل عن جماعة تصحيحه .

وقال الشيخ أبو حامد : الصحيح عند أصحابنا أن لا يكون محرما لها . لأن الحرمة إنما تثبت بين الشخصين لم تخلق بينهما شهوة ، كالأخ ، والأخت ، وغيرهما . وأما العبد ، وسيدته : فشخصان خلقت بينهما الشهوة . قال : وأما الآية ، وهي قوله تعالى { أو ما ملكت أيمانهن } فقال أهل التفسير فيها : المراد بها : الإماء دون العبيد .

وأما الخبر : وهو ما رواه أبو داود والبيهقي عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد ، وقد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها ، لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : إنه ليس عليك بأس ، إنما هو أبوك ، وغلامك } فيحتمل أن يكون الغلام صغيرا .

قال : وهذا الذي صححه الشيخ أبو حامد : هو الصواب ، بل لا ينبغي أن يجري فيه خلاف بل يقطع بتحريمه ، وكيف يفتح هذا الباب للنسوة الفاسقات ؟ مع حسان المماليك ، الذين الغالب من أحوالهم الفسق ، بل العدالة فيهم في غاية القلة ؟ وكيف يستجيز الإنسان الإفتاء بأن هذا المملوك يبيت ويقيل مع سيدته ، مكررا ذلك ، مع ما هما عليه من التقصير في الدين ؟

وكل منصف يقطع بأن أصول الشريعة تستقبح هذا وتحرمه أشد تحريم . [ ص: 263 ] ثم القول بأنه محرم : ليس له دليل ظاهر ، فإن الصواب في الآية أنها في الإماء ، والخبر محمول على أنه كان صغيرا . انتهى كلام النووي . وقد اختار التحريم أيضا : السبكي في تكملة شرح المهذب . وفي الحلبيات . وقال : إن تأويل الحديث على أنه كان صغيرا جدا ، لا سيما والغلام في اللغة إنما يطلق على الصبي . وهي واقعة حال ، ولم يعلم بلوغه ، فلا حجة فيها للجواز .

ولم يحصل مع ذلك خلوة ، ولا معرفة ما حصل النظر إليه ، وإنما فيه نفي البأس عن تلك الحالة التي علمت حقيقتها . ولم تجد فاطمة ما يحصل به كمال الستر الذي قصدته . وغايته : التعليل باسم الغلام ، وهو اسم للصبي ، أو محتمل له ، والاحتمال في وقائع الأحوال يسقط الاستدلال . انتهى . واختاره أيضا الأذرعي وغيره من المتأخرين ، وأفتيت به مرات . ولا أعتقد سواه .

وأما الخلوة ، والمسافرة ، فالعبد فيهما مبني على النظر إن شاركه المحرم فيه شاركه فيهما ، وإلا فلا . ويشاركه الزوج فيهما لا محالة . بل يزيد في النظر ، ويكتفى في سفر حج الفرض بنسوة ثقات ، على ما سيأتي تحريره ، في أحكام السفر وأما عدم نقض الوضوء فلا يشاركه فيه غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث