الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 28 ] باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " . ( قال الشافعي ) وفي حديث آخر أن ابن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلا ثم رجع . وفي حديث أبي الوضيء قال : كنا في غزاة فباع صاحب لنا فرسا من رجل ، فلما أردنا الرحيل خاصمه فيه إلى أبي برزة ، فقال أبو برزة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ( قال ) وفي الحديث ما لم يحضر يحيى بن حسان حفظه ، وقد سمعته من غيره أنهما باتا ليلة ثم غدوا عليه ، فقال : لا أراكما تفرقتما ، وجعل لهما الخيار إذ بقيا في مكان واحد بعد البيع . وقال عطاء يخير بعد وجوب البيع . وقال شريح : شاهدا عدل أنكما تفرقتما بعد رضا ببيع أو خير أحدكما صاحبه بعد البيع ( قال الشافعي ) وبهذا نأخذ ، وهو قول الأكثر من أهل الحجاز ، والأكثر من أهل الآثار بالبلدان ( قال ) وهما قبل التساوم غير متساومين ، ثم يكونان متساومين ، ثم يكونان متبايعين ، فلو تساوما فقال رجل : امرأتي طالق إن كنتما تبايعتما كان صادقا . وإنما جعل لهما النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار بعد التبايع ما لم يفترقا ، فلا تفرق بعدما صارا متبايعين إلا تفرق الأبدان " .

قال الماوردي : اعلم أن العقود على أربعة أقسام :

أحدها : ما كان غير لازم من جهة المتعاقدين في الحال ، ولا يفضي إلى اللزوم في ثاني حال .

والثاني : ما كان غير لازم من جهة المتعاقدين في الحال ، ولكن قد يفضي إلى اللزوم في ثاني حال .

والثالث : ما كان لازما من جهة أحد المتعاقدين في الحال دون العاقد الآخر بكل حال .

[ ص: 29 ] والرابع : ما كان لازما من جهة المتعاقدين في الحال .

فأما القسم الأول : وهو ما كان غير لازم من جهة المتعاقدين في الحال ، ولا يفضي إلى اللزوم في ثاني حال ، فهو خمسة عقود :

الوكالة ، والشركة ، والمضاربة ، والعارية ، والوديعة .

فالخيار فيها مؤبد من جهتي المتعاقدين معا . فإن شرط فيها إسقاط الخيار ، بطلت : لأنها تصير بإسقاط الخيار لازمة ، وهي عقود جائزة غير لازمة .

وأما القسم الثاني : وهو ما كان غير لازم في الحال ، ولكن قد يفضي إلى اللزوم في ثاني حال ، فهو خمسة عقود :

الجعالة : وهي قول الرجل : من جاءني بعبدي الآبق فله دينار .

والعتق بعوض ، كقوله : اعتق عبدك عني بدينار .

واستهلاك الأموال بالضمان كقوله : ألق متاعك في البحر وعلي قيمته .

والقرض ، والهبة .

فهذه العقود الخمسة غير لازمة في الحال ، فإن جيء بالآبق ، وأعتق العبد ، وألقي المتاع في البحر ، واستهلك القرض ، وأقبضت الهبة ، لزمت . فيكون الخيار فيها قبل لزومها للمتعاقدين معا .

فإذا لزمت سقط الخيار من جهتهما جميعا .

فلو شرط فيها إسقاط الخيار قبل لزومها ، أو شرط إثبات الخيار فيها بعد لزومها ، بطلت .

وأما القسم الثالث : وهو ما كان لازما من جهة أحد المتعاقدين دون الآخر ، فهو ثلاثة عقود :

الرهن والضمان والكتابة .

فالخيار فيها ثابت للمرتهن دون الراهن ، وللمضمون له دون الضامن ، وللمكاتب دون السيد . فإن شرط إسقاط الخيار في الجهة التي فيها الخيار ، أو شرط إثبات الخيار في الجهة التي ليس فيها الخيار ، بطلت .

وأما القسم الرابع : وهو ما كان لازما من جهة المتعاقدين معا فهو على أربعة أقسام :

أحدها : ما لا يثبت فيه الخيار لواحد من المتعاقدين بحال ، لا في المجلس ، ولا بالشرط ، وذلك ثلاثة عقود :

النكاح ، والخلع ، والرجعة .

[ ص: 30 ] ليس فيها إذا تمت خيار مجلس ولا خيار شرط .

فإن شرط فيها أحد الخيارين ، بطلت .

والقسم الثاني : ما لا يدخله خيار الشرط . واختلف أصحابنا في دخول خيار المجلس فيه على وجهين ، وذلك ثلاثة عقود :

الإجازة ، والمساقاة ، والحوالة .

وهل تبطل باشتراط خيار المجلس ؟ على وجهين :

والقسم الثالث : ما لا يدخله خيار الشرط ، ويدخله خيار المجلس قولا واحدا : وهو ما كان القبض قبل الافتراق شرطا في صحته ، وذلك عقدان :

المصرف ، والسلم .

فإن شرط فيها خيار الثلاث بطلا .

والقسم الرابع : ما يدخله خيار المجلس بغير شرط ، وخيار الثلاث بالشرط .

وهو سائر عقود البياعات .

يثبت فيها خيار المجلس بالعقد من غير شرط .

وبمذهبنا في ثبوت خيار المجلس في سائر البياعات قال من الصحابة : عثمان ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبو برزة الأسلمي .

ومن التابعين : شريح ، وابن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وطاوس .

ومن الفقهاء : الزهري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال أبو حنيفة ، ومالك : البيع لازم بالإيجاب والقبول ، ولا يثبت فيه خيار المجلس بحال .

استدلالا بقوله سبحانه وتعالى : وأشهدوا إذا تبايعتم [ البقرة : 282 ] فندب إلى الإشهاد على البيع ، لأجل الاستيثاق فيه ، فلو كان لأحدهما الفسخ بعد العقد المشهود عليه ، لم يحصل الاستيثاق ، ولبطلت فائدة الإشهاد . وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار ، فلا يحل له أن تفارقه خشية أن يستقيله " . ولو جاز لأحدهما الفسخ من غير استقالة لم يكن لنهيه عن الافتراق خشية الاستقالة معنى ، فدل على أن الفسخ لا يستحق إلا بالاستقالة .

وبما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : " البيع عن صفقة أو خيار " .

[ ص: 31 ] فنوع البيع نوعين : نوعا أثبت فيه الخيار بالشرط ، ونوعا نفى عنه الخيار من غير شرط ، فعلم أنه لا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح .

ولأنه عقد معاوضة ، فوجب أن لا يثبت فيه خيار مجلس كالنكاح .

ولأنه عقد يلحقه الفسخ ، فوجب أن لا يثبت فيه خيار المجلس كالكتابة .

ولأنه خيار مجهول ، لم يوجبه نقص ، فوجب أن لا يثبت في البيع كالمشروط من الخيار المجهول .

ولأن تأثير التفرق إنما هو الفسخ لا اللزوم ، ألا ترى أنهما إذا تصارفا ، ثم افترقا ، من غير قبض ، بطل الصرف ، وإذا كان تأثير التفرق هو الفسخ ، لم يجز أن يلزم به العقد : لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد مؤثرا في فسخ العقد وفي إلزامهما معا في حال واحدة ، لأنهما ضدان : ولأن البيع لما لزم بتراضيهما بعد العقد ، وهو أن يقول أحدهما لصاحبه : اختر البيع ، فيختار ، لم يجز أن يلزم بتراضيهما حال العقد ، ووجب أن يكون لازما بمجرد الإيجاب والقبول ، لأن الإيجاب والقبول ، إنما هو رضا منهما بالعقد ، ألا ترى أنهما لو كانا عند الإيجاب والقبول مكرهين لم يصح العقد .

فصل : والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه : ثبوت السنة به من خمسة طرق :

فأحدها : حديث ابن عمر ، وهو وارد من طريقين :

أحدهما : من طريق نافع . والثاني : من طريق عبد الله بن دينار .

فأما نافع فقد روي عنه من طريقين : أحدهما : ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا " .

والثاني : رواه الشافعي عن سفيان عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا تبايع المتبايعان البيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار ، فإن كان عن خيار فقد وجب " . قال نافع : وكان ابن عمر إذا ابتاع البيع ، فأراد أن يوجب البيع مشى قليلا ثم رجع .

وأما عبد الله بن دينار فقد روي عنه من طريقين :

أحدهما : رواه الشافعي عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان البيع عن خيار فقد وجب " .

[ ص: 32 ] والثاني : رواه الشافعي عن وكيع عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر " .

والثاني : حديث أبي برزة . رواه الشافعي قال : أخبرنا الثقة يحيى بن حسان عن حماد بن زيد عن جميل بن مرة ، عن أبي الوضيء قال : كنا في غزاة ، فباع صاحب لنا فرسا من رجل ، فلما أردنا الرحيل خاصمه فيه إلى أبي برزة ، فقال أبو برزة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " .

قال الشافعي : وفي الحديث ما يبين هذا ، لم يحضر يحيى بن حسان حفظه ، وقد سمعته من غيره : أنهما باتا ليلة ، ثم غدوا عليه ، فقال : ما أراكما تفرقتما ، وجعل لهما الخيار إذا باتا مكانا واحدا بعد البيع .

والثالث : حديث حكيم بن حزام رواه الشافعي قال : أخبرنا الثقة يحيى بن حسان عن حماد بن سلمة عن قتادة ، عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا وجبت البركة في بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت البركة من بيعهما " .

والرابع : حديث أبي هريرة . رواه أبو زرعة عن عمرو بن حريث عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مناديه أن ينادي ثلاثا " لا يفترقن بيعان إلا عن تراض " .

والخامس : حديث عمرو بن شعيب : وقد تقدم ذكره في دليل المخالف .

فدلت هذه الأخبار كلها بصريح القول ودليله على ثبوت خيار المجلس للمتعاقدين معا ما لم يتفرقا بالأبدان ، أو يجعل أحدهما لصاحبه الخيار ، فيختار .

فإن قيل : فإنما جعل لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخيار ما لم يتفرقا بالكلام : فيكون المراد بالافتراق افتراق الكلام دون افتراق الأبدان : وهو أن يكون للمشتري الخيار بعد بذل البائع في أن يقبل أو لا يقبل ، وللبائع الخيار قبل قبول المشتري في أن يرجع في البذل أو لا يرجع ، فإذا قبل المشتري ولم يكن قد رجع البائع ، فقد تم البيع ، وانقطع الخيار سواء افترقا بالأبدان أو لم يفترقا .

[ ص: 33 ] قالوا : وهذا أولى من حمله على افتراق الأبدان من وجهين :

أحدهما : أنه معهود الافتراق في الشرع قال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته [ النساء : 130 ] يعني : بالطلاق والطلاق كلام .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " يعني : في المذاهب .

والثاني : أن حمله على التفرق بالكلام حقيقة ، وعلى التفرق بالأبدان مجاز : لأنه جعل الخيار للمتبايعين ، وهما يسميان في حال العقد متبايعين حقيقة ، وبعد العقد مجازا ، كما يقال : ضارب ، فيسمى بذلك في حال الضرب حقيقة ، وبعد الضرب مجازا ، وإذا كان كذلك كان حمله على الحقيقة أولى من حمله على المجاز ، فثبت بهذين الوجهين أن المراد به التفرق بالكلام دون التفرق بالأبدان .

فالجواب عنه : دليل ، وانفصال . فأما الدليل على أن المراد به التفرق بالأبدان دون الكلام فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أن التفرق لا يكون إلا عن اجتماع ، فإذا تفرقا بالأبدان بعد البيع ، كان تفرقا عن اجتماع في القول حين العقد وعن اجتماع بالأبدان .

ولا يصح تفرقهما بالكلام ، لأنهما حال التساوم مفترقان ، لأن البائع يقول : لا أبيع إلا بكذا ، والمشتري يقول : لا أشتري إلا بكذا .

فإذا تبايعا فقد اجتمعا في القول بعد أن كانا مفترقين فيه . وهذه دلالة أبي إسحاق المروزي .

والثاني : أن خيار المشتري بعد بذل البائع وقبل قبوله معلوم بالإجماع ، إذ لو سقط خياره ببذل البائع لوجبت البياعات جبرا بغير اختيار بعد اختيار ، ولأفضى الأمر فيها إلى ضرر وفساد ، والخيار بعد البيع غير مستفاد إلا بالخبر ، فكان حمل الخبر على ما لم يستفد إلا منه أولى من حمله على ما استفيد بالإجماع ، لأن لا يعرى الخبر من فائدة . وهذه دلالة ابن جرير الطبري .

والثالث : أن اللفظ إذا ورد ، وكان يحتمل معنيين ، وكان المراد أحدهما بالإجماع لا هما معا ، ولم يكن في اللفظ تمييز المراد منهما ، كان ما صار إليه الراوي هو المراد به دون الآخر ، فلما كان الافتراق يحتمل أن يراد به الافتراق بالكلام مع بعده ، ويحتمل أن يكون المراد به الافتراق بالأبدان مع ظهوره ، وكان ابن عمر ، وأبو برزة ، وهما من رواة الخبر [ ص: 34 ] يذهبان إلى أن المراد به التفرق بالأبدان ، لأن ابن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلا ثم رجع ، وأبو برزة قال للمتبايعين حين باتا ليلة ثم غدوا عليه قال : ما أراكما تفرقتما عن رضا منكما ببيع اقتضى أن يكون هو المراد بالخبر دون المعنى الآخر . وهذه دلالة الشافعي - رضي الله عنه - .

فإن قيل : فقد روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوه ، واغسلوه سبعا " ثم أفتى أبو هريرة - رضي الله عنه - بالثلاث ، فلم تصيروا إلى قوله ، واستعملتم الخبر على ظاهره .

قيل : نحن لا نقبل قول الراوي في التخصيص ، ولا في النسخ ، ولا في الإسقاط ، وإنما نقبله في تفسير أحد محتمليه إذا أجمعوا على أن المراد أحدهما .

وقوله : " اغسلوه سبعا " يقتضي وجوب الغسل سبعا ، وفتوى أبي هريرة بالثلاث إسقاط لباقي السبع ، فلم يقبل ، وكما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من بدل دينه فاقتلوه " وكان يذهب إلى أن المرتدة لا تقتل .

فلم نقض بمذهبه على روايته : لأن فيه تخصيصا ، وقول الراوي لا يقبل في التخصيص .

على أن أبا علي بن أبي هريرة قال : أحمله على الأمرين معا ، فأحمله على التفرق بالكلام ، وعلى التفرق بالأبدان ، فأجعل لهما في الحالين الخيار بالخبر . وهذا صحيح لولا أن الإجماع منعقد على أن المراد به أحدهما .

فأما الانفصال عن قولهم : إن معهود الافتراق إنما هو بالكلام دون الأبدان فمن وجهين :

أحدهما : أن هذا تأويل مستحدث يدفعه إجماع من سلف : لأن كل من تقدم من السلف حمله على التفرق بالأبدان ، حتى أن مالكا روى الخبر ، فقيل له : فلم خالفته ؟ قال : وجدت عمل بلدنا بخلافه . وروي لأبي حنيفة فقال : أرأيت لو كانا في سفينة فحصل التسليم منهما ، إن المراد به التفرق بالأبدان ، ولم يتنازعا في تأويله ، وإنما ذكرا شبهة واهية في ترك العمل به .

والثاني : أنه لو يجتمع السلف على أن المراد به التفرق بالأبدان لكان هو حقيقة التفرق في اللسان ، والشرع ، وإن كان ربما استعمل في التفرق بالكلام استعارة ومجازا ، وقد حكى الرياشي ذلك عن الأصمعي وشاهد ذلك أظهر من أن يذكر .

[ ص: 35 ] على أن هذا وإن ساغ في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر على وهن وضعف ، فليس يسوغ في حديث غيره : لأن النص يدفعه من قوله : أو يقول لصاحبه : اختر ، فإن ما بعد ذلك يخالف ما قبله .

وأما الانفصال عن قولهم : إن حمله على الخيار حين التساوم حقيقة ، وبعد العقد مجاز : فمن وجهين :

أحدهما : أن حمله عليها وقت التساوم مجاز : وبعد العقد حقيقة لغة وشرعا : فأما اللغة : فلأن البيع مشتق من فعل ، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تنطلق على مسمياتها إلا بعد وجود الأفعال ، كالضارب والقاتل : لا يتناول المسمى به إلا بعد وجود الضرب والقتل ، كذلك البائع لا ينطلق عليه اسم البيع إلا بعد وجود البيع منه ، والبيع إنما يوجد بعد العقد ، فأما حين التساوم فلا .

فأما الشرع ، فلأنه لو قال لعبده : إذا بعتك فأنت حر لم يعتق عليه بالمساومة ، فإذا تم العقد عتق عليه ، فلذلك قال مالك وأبو حنيفة : إذا باعه بيعا لا خيار فيه ، لم يعتق عليه : لأنه يصير بائعا بعد العقد ، وقد زال ملكه بالعقد ، وانقطع خياره ، فلم يعتق عليه من بعد .

والثاني : أن تسميتنا له بائعا بعد انقضاء البيع ، إن كان مجازا من حيث يقال : كانا متبايعين ، فالحمل عليه وقت التساوم مجاز أيضا حتى يوجد القبول ، وإلا فيقال : سيكونان متبايعين ، وإذا كان ذلك مجازا فيهما جميعا ، كان ما ذكرنا أولى من وجهين :

أحدهما : أن الاسم وإن انطلق عليهما بعد العقد مجازا ، فقد استقر بوجود البيع ، وهو قبل العقد غير مستقر ، لجواز أن لا يتم البيع .

والثاني : أن اسم البائع والمشتري من الأسماء المشتركة ، كالوالد والولد ، فلا يوجد المشتري إلا في مقابلة البائع ، ولا يوجد البائع إلا في مقابلة المشتري ، فلو كان البائع بعد البذل وقبل القبول يسمى بائعا ، لجاز أن يكون الطالب قبل القبول يسمى مشتريا ، فلما لم يسم الطالب مشتريا إلا بعد القبول ، لم يسم الباذل بائعا إلا بعد القبول .

على أن هذا التأويل إنما يسوغ مع وهاية في قوله : " المتبايعان " فأما في قوله " البيعان " فلا يسوغ فيه . فنستعمل الروايتين ، ونحمله على اختلاف معنيين ، فيكون أولى من حمله على أحدهما .

فبطل هذا التأويل بما ذكرنا من الدليل والانفصال ، واستقر ما ذكرنا من الوجوه في أدلة الأخبار .

فأما المعنى النظري فهو أنه خيار ورد به الشرع ، فوجب أن يعتبر حكمه بعد العقد ، أصله خيار الثلاث .

[ ص: 36 ] ولأنه عقد معاوضة محضة ، فوجب أن يكون للتفرق تأثير فيه ، كالصرف والسلم .

ولأن الخيار ضربان : ضرب يتعلق بالصفات ، وضرب يتعلق بالزمان .

ثم كان الخيار المتعلق بالصفات ينقسم قسمين : قسم وجب بالشرط وقسم وجب بالشرع .

فالقسم الواجب بالشرط : أن يبتاع عبدا على أنه كاتب أو صانع ، فيجده بخلاف ذلك ، فيجب له الخيار لعدم الفضيلة المستحقة بالشرط .

والواجب بالشرع : هو خيار العيب لنقص وجده عن حال السلامة ، فيجب له الخيار بالشرع ، فاقتضى أن يكون الخيار المتعلق بالزمان ينقسم قسمين :

قسم وجب بالشرط : وهو خيار الثلاث .

وقسم وجب بالشرع : وهو خيار المجلس .

وتحريره قياسا : أنه أحد جنسي الخيار ، فوجب أن يتنوع نوعين : شرطا وشرعا : قياسا على خيار الصفات : ولأنه عقد يقصد به تمليك المال ، فلم يلزم بالبذل والقبول كالهبة . ولأن عقد البيع بذل وقبول ، فلما ثبت الخيار بعد البذل ، وجب أن يثبت بعد القبول .

وتحريره قياسا : أنه قول أحد المتبايعين ، فوجب ثبوت الخيار بعده كالبذل .

فأما الجواب عن قوله سبحانه وتعالى : وأشهدوا إذا تبايعتم فهو أن المراد به الإشهاد بعد الافتراق في الحال التي يلزم فيها العقد . ولا يمنع أن يكون ذلك إشهادا على العقد ووثيقة فيه [ كما أن الإشهاد في خيار الثلاث ، يكون بعد تقضي الثلاث ، ولا يمنع أن يكون ذلك إشهادا على العقد ووثيقة فيه ] .

وأما الجواب عن حديث عمرو بن شعيب ، وقوله " ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله " فهو أن لهذا اللفظ ظاهرين :

أحدهما : حجة عليهم .

والثاني : حجة لهم .

فقوله " ولا يحل له أن يفارقه " حجة عليهم : لأنه يدل على أن البيع لم يقع لازما ، وأن فيه خيارا يسقط بالتفرق .

وقوله " خشية أن يستقبله " حجة لهم ، لأنه يدل على أن الخيار لا يستحق إلا بالإقالة .

فلم يكن بد من تغليب أحد الظاهرين لتعارضهما ، فكان تغليب الظاهر في إثبات الخيار أحق لأمرين :

[ ص: 37 ] أحدهما : أن أول الخبر يقتضيه ، وهو قوله " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار " .

والثاني : أن الإقالة لا تختص بمجلس التبايع وتبطل بالتفرق : لجوازها بعد الافتراق كجوازها قبله .

وإنما الخيار يختص بالمجلس ويبطل بالتفرق ، فصح أنه المراد .

وأما الجواب عن ما روي عن عمر " البيع صفقة أو خيار " فهو أنه مرسل : لأنه يروى عن رجل من بني كنانة ، ولو صح لاحتمل أمرين :

أحدهما : أن البيع عن صفقة وخيار : لأنه قسم البيع إلى قسمين :

أحدهما : صفقة ، والثاني : خيار .

والخيار بمجرده لا يكون بيعا إلا مع الصفقة ، فثبت أن معناه عن صفقة وخيار .

والثاني : أن معناه أن البيع على ضربين :

ضرب : فيه خيار الثلاث .

وضرب : ليس فيه خيار الثلاث .

يوضح ذلك ويؤيده ما روى مطرف عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا .

وأما الجواب عن قياسهم على النكاح :

فهو أن المعنى في النكاح أنه عقد تبتغى به الوصلة دون المعاوضة ، فلم يثبت فيه الخيار الموضوع : لارتياد أوفر الأعواض ، ولهذا المعنى لم تكن الرؤية شرطا في صحته ، وخالف سائر عقود المعاوضات من البيوع وغيرها ، ألا ترى أن خيار الثلاث لا يصح فيه وإن صح في غيره .

وأما الجواب عن قياسهم على الكتابة : فهو أن الخيار موضوع في العقد ، لارتياد الحظ فيه ، وعقد الكتابة لم يثبت فيه الخيار من جهة السيد : لأنه قصد به إرفاق عبده ، لا طلب الحظ لنفسه : إذ معلوم أنه لا حظ له في بيع ملكه بملكه ، فسقط خياره .

ولأنه ليس يستدرك به ما خفي عنه ، وأما العبد فخياره ممدود ، وليس كذلك البيع .

وأما الجواب عن قياسهم على الخيار المجهول : فهو أن خيار المجلس من موجبات العقد ، والخيار المجهول من موجبات الشرط .

[ ص: 38 ] وفرق في الأصول بين ما ثبت بالعقد . فيصح فيه الجهالة ، وما ثبت بالشرط ، فلا يصح فيه الجهالة ، ألا ترى أن خيار العيب لما ثبت بالعقد جاز أن يكون مجهولا ، وخيار المدة لما ثبت بالشرط لم يجز أن يكون مجهولا ، وكذا القبض إذا استحق بإطلاق العقد جاز أن يكون مجهول الوقت وإذا كان مستحقا بالشرط لم يجز أن يكون مجهول الوقت .

وأما الجواب عن قولهم : إن الافتراق يؤثر في فسخ البيع لا في لزومه كالصرف قبل القبض :

فهو أن هذه دعوى غير مسلمة ، لأن الافتراق في الصرف مؤثر في لزومه كالبيع ، وليس يقع الفسخ في الصرف بالافتراق ، وإنما يقع بعدم القبض قبل الافتراق ، فإذا تقابضا ، صح ، ولم يلزم إلا بالافتراق .

وأما الجواب عن قولهم : لما لزم البيع بتراضيهما بعد العقد ، فلأن يكون لازما بتراضيهما حين العقد أولى :

فهو أن الرضا بالبيع بعد العقد يتنوع نوعين :

نوع يكون بالصمت ، ونوع يكون بالنطق : فأما الرضا بالصمت بعد العقد فلا يلزم به البيع ، فكذا الرضا بالصمت حين العقد لا يلزم به البيع . وأما الرضا بالنطق بعد البيع ، فهو أن يقول : قد اخترت إمضاء البيع ، فهذا يلزم به البيع .

ومثله بالنطق في حال البيع أن يشترط في العقد سقوط خيار المجلس ، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه هل يلزم به البيع ويصح معه العقد أم لا ؟ على ثلاثة أوجه :

أحدها : يصح معه العقد : لأن غرر الخيار يرتفع به ، ويلزم به البيع : لأنه موجب شرطه ، ولا يثبت في البيع خيار المجلس .

وقائل هذا الوجه من أصحابنا تأوله من كلام الشافعي في كتاب الأيمان والنذور .

فعلى هذا قد استوى حكم هذا الرضا في لزوم البيع بعد العقد وقبله .

والوجه الثاني : يصح معه العقد ، لكن لا يلزم به البيع ، ولا يسقط معه خيار المجلس ، وإن كان مشروطا : لأنه من موجب العقد فلم يسقط بالشرط ، كالولاء في العتق والرجعة في الطلاق .

فعلى هذا يكون هذا النوع من الرضا يلزم به البيع إذا كان بعد العقد ، ولا يلزم به البيع إذا كان مع العقد .

والفرق بينهما أنه بعد العقد يتضمن إبطال خيار ثابت ، فصح إبطاله بعد ثبوته . وحين العقد يتضمن إبطال خيار غير ثابت ، فلم يصح إبطاله قبل ثبوته ، كاستحقاق الشفعة لما بطل بعد البيع للرضا به بعد ثبوته ، لم يبطل حال البيع مع الرضا به ، لعدم ثبوته .

[ ص: 39 ] والوجه الثالث : أن البيع باطل بهذا الشرط ، لأنه مناف لموجبه ، إذ موجب العقد ثبوت الخيار به ، والشرط إذا نافى موجب العقد أبطله ، وهو منصوص الشافعي في القديم ، والبويطي والأم .

فعلى هذا يكون هذا النوع من الرضا يلزم به البيع بعد العقد ، ويبطل به البيع إن كان مع العقد والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث