الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 236 ] باب بيع المصراة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تصروا الإبل والغنم للبيع ، فمن ابتاعها بعد ذلك ، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ، إن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر " ( قال الشافعي ) والتصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيرا فيزيد في ثمنها لذلك ، ثم إذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين ، عرف أن ذلك ليس بلبنها لنقصانه كل يوم عن أوله ، وهذا غرور للمشتري ، والعلم يحيط أن ألبان الإبل والغنم مختلفة في الكثرة والأثمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بدلها ثمنا واحدا صاعا من تمر " .

قال الماوردي : أما التصرية فهي الجمع ، يقال صريت الماء في الحوض ، إذا جمعته ، قال الأغلب :


رب غلام قد صرى في فقرته ماء الشباب عنفوان سنبته

ولذلك سميت الصرة : لأنها تجمع ما فيها ، قال الشاعر :


إنا صرينا حب ليلى فانبتر     وغرنا منه وكان من شعر

فقيل : شاة مصراة : لأن اللبن قد صرى في ضرعها ، أي جمع ، ويقال : محفلة أيضا ، وهي لغة أهل العراق مأخوذة من قولهم قد احتفل القوم إذا اجتمعوا ، وهذا محفل من الناس أي جمع ، فالتصرية غش وخداع للمشتري ، وإذا اشترى الرجل شاة فحلبها فبانت مصراة كانت عيبا وله الرد وهو قول الصحابة والتابعين والفقهاء .

إلا أبا حنيفة ومحمدا فإنهما خالفا الكافة ، وقالا : لا رد له ، فمن أصحابهما من قال : هي عيب ، لكن حلاب اللبن نقص يمنع من الرد بالعيب ، واستدلالهم فيه من وجهين :

أحدهما : دفع الخبر المعمول عليه في التصرية بوجوه نذكرها من بعد .

[ ص: 237 ] والثاني : أن الاستدلال بالمعنى في أن التصرية ليست بعيب وذلك بوجهين :

أحدهما : إن كبر الضرع بالتصرية ، وظن المشتري أن لبن العادة يجري مجرى كبيرة اللحم والسمن ، وظن المشتري أنه لكبرة اللبن ، فلما لم يكن هذا عيبا يوجب الرد لم تكن التصرية عيبا توجب الرد ، كما لو كان الجوف مليا بالعلف فظن المشتري أنه حمل .

والثاني : أن كبر الضرع بالتصرية لو كان عيبا إذا شاهده المشتري لكان عيبا وإن لم يشاهده كسائر العيوب ، فلما لم يكن عيبا مع فقد المشاهدة لم يكن عيبا مع المشاهدة .

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه : ورود السنة من ثلاثة طرق عن أبي هريرة ، وابن مسعود ، وابن عمر رضي الله عنهم .

فأما حديث أبي هريرة فوارد من طريقين : أحدهما : رواه الشافعي ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تصروا الإبل والغنم للبيع فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر " .

والثاني : رواه الشافعي ، عن سفيان ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اشترى مصراة أو محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام ، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ، وصاعا من تمر لا سمراء " .

وأما حديث ابن مسعود ، فرواه الشافعي ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من اشترى محفلة فليحلب يومين أو ثلاثة فإن رضي أمسك وإلا فإن ردها يرد معها صاعا " .

وأما حديث ابن عمر ، فرواه أبو داود ، عن أبي كامل ، عن عبد الواحد ، عن صدقة بن سعيد ، عن جميع بن عمير ، عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام ، فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا " . فدلت هذه الأخبار كلها على أن التصرية عيب يوجب الرد من ثلاثة أوجه :

أحدها : نهيه عن التصرية للبيع ، وذلك يقتضي أن التصرية تدليس وعيب .

والثاني : أنه جعله بخير النظرين في الرد والإمساك ، والرد إنما يكون بعيب .

والثالث : أنه أوجب بدلا من لبن التصرية رد صاع من تمر ، فاقتضى أن يكون لبن [ ص: 238 ] التصرية قد تناوله العقد ، وحصل له من الثمن قسط يستحق بنقصه الرد ، وقد يتحرر من هذه الأدلة قياس ، فيقال : لأنه تدليس يختلف به الثمن فاقتضى أن يستحق به الرد كتسويد الشعر .

فأما دفعهم للخبر في المنع من الاستدلال به فمن وجهين :

أحدهما : قدح فيه .

والثاني : استعمال له .

فأما قدحهم فيه : فلأنه خبر واحد قد خالف الأصول من خمسة أوجه :

أحدها : أنه أوجب غرم اللبن مع إمكان رده .

والثاني : أنه أوجب غرم قيمته ووجوب مثله .

والثالث : أنه جعل القيمة تمرا وهي إنما تكون ذهبا أو ورقا .

والرابع : أنه جعلها مقدرة لا تزيد بزيادة اللبن ولا تنقص بنقصانه ، ومن حكم القيمة أن تختلف باختلاف المقوم في الزيادة والنقصان .

والخامس : أنه جعل له الرد مع ما حدث في يد المشتري من النقص . قالوا : فلما كان خبر التصرية مخالفا للأصول من هذه الأوجه الخمسة وجب العدول عنه إلى ما اقتضته الأصول : لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فخذوا به وإن خالفه فاتركوه " .

وأما استعمالهم له فهو أن يحمل على أن البائع والمشتري شرطا في عقد البيع أن الشاة تحلب في كل يوم عشرة أرطال فيكون هذا شرطا يفسد البيع ، فإن اتفقا على رد هذا الشرط وإبطاله في مدة الثلاث ، صح البيع ، وإن لم يبطلاه حتى مضت الثلاث بطل البيع ، فهذه جملة عولوا عليها في دفعنا عن الاستدلال بالخبر ، وهذه جملة فاسدة ، ولا يجوز أن تدفع سنة ثابتة .

أما قولهم إنه خبر واحد ، فيقال هذا خبر قد رواه جماعة منهم أبو هريرة ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وتلقاه الباقون بالقبول ، وانتشر العمل به في الصحابة انتشارا واسعا صار كالإجماع عليه ، فصار بأخبار التواتر أشبه ، على أن أخبار الآحاد إذا وردت موردا صحيحا لم يمنع الشرع من العمل بها ، وأما قولهم إنه مخالف للأصول ففيها جوابان :

أحدهما : أن ما ورد في التصرية فهو أصل بذاته ، لا تعتبر فيه موافقة الأصول ، كالدية على العاقلة والغرة في الجنين ، وإنما يبطل القياس لمخالفة الأصول .

فأما التصرية فلا ولو جاز أن يكون هذا باطلا لمخالفة الأصول مع كونه أصلا ، لجاز أن تكون تلك الأصول باطلة بهذا الأصل ، وإذا صح قلب هذا الأصل ، وهذا القول كان مطرحا [ ص: 239 ] ولزم اعتبار كل أصل بذاته ، ثم يقال لهم : كيف استخرتم استعمال الخبر في القهقهة والنبيذ مع مخالفتهما الأصول ، وامتنعتم من هذا ! فإن قالوا لورود الرواية ، قيل فكذلك التصرية .

فأما قوله صلى الله عليه وسلم : " ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى " فمعناه ما لم يكن في كتاب الله نص يدفعه فخذوا به ، ألا ترى إلى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه " ، هذا مع قوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : 7 ] .

والجواب الثاني : أن خبر التصرية غير مخالف للأصول من الأوجه التي ذكروها بل في الأصول ما يشهد له ويعاضده .

أما قولهم إن غرم القيمة مع إمكان الرد لا يجوز ، فالرد في لبن التصرية غير ممكن من وجهين :

أحدهما : نقص قيمته بعد الحلب وذهاب كثير من منافعه بطول المكث ، والثاني : أن لبن التصرية قد خالطه ما حدث في الضرع بعده على ملك المشتري ، فلم يمكن رده مع الجهل بما خالطه

وأما قولهم إنه أوجب غرم قيمته مع وجود مثله ، وجعله مقدرا مع اختلاف قدره في الضرع ، فالجواب أن ما كان مجهول القدر مجهول الوصف ، جاز الرجوع فيه إلى بدل مقدر بالشرع من غير مثل ولا تقوم كالغرة في الجنين يستوي فيها الذكر والأنثى ، وإن اختلفت دياتهما ، وما قدره الشرع في الشجاج كالموضحة التي تستوي دية ما صغر منها وما كبر .

وأما قولهم إن فيه عدولا عن التقويم إلى الثمن ، فليس بمنكر أن يرد الشرع في القيمة بما يخالف جنس الأثمان ، كما جاء الشرع في الديات بالإبل ، وفي جزاء الصيد بالغنم وفي الجنين بالغرة .

وأما قولهم إنه يوجب الرد مع ما حدث في يد المشتري من النقص ففيه جوابان :

أحدهما : أن النقص حادث في اللبن دون الشاة وهو إنما يرد الشاة دون اللبن .

والثاني : أن النقص الحادث الذي لا يوصل إلى معرفة العيب إلا بدلا يمنع من الرد كالذي يكون مأكوله في جوفه إذا كر .

وأما استعمالهم الحديث على ما ذكروه من الشرط فغلط من أربعة أوجه :

[ ص: 240 ] أحدها : أن نهيه عن التصرية لا يقتضيه .

والثاني : أنه جعل الرد للمشتري وحده ولو كان للشرط كان لهما .

والثالث : أنه جعل الرضا موجبا للإمضاء والسخط موجبا للرد ، ولم يجعله معلقا بإسقاط الشرط .

والرابع : أنه أوجب فيه رد صاع من تمر ، وإسقاط الشرط لا يوجب رد صاع من تمر .

فأما الجواب عن استدلالهم بأن هذا ظن من المشتري كما لو ظن سمن ضرعها لبنا ، وانتفاخ جوفها حملا ، فهو أن سمن الضرع ليس بتدليس منه فلم يكن عيبا ، والتصرية تدليس منه فكانت عيبا ، وأما انتفاخ جوفها بالعلف فهو وإن كان من فعله فهو مندوب إلى إكثار علفها وغير منهي عنه ، فلم يكن تدليسا . والتصرية منهي عنها ، فكانت تدليسا ، فكذا لو ابتاع غلاما قد أخذ دواة وأقلاما وسود يده ليوهم المشتري أنه كاتب فكان غير كاتب ، فليس هذا عيبا يستحق به المشتري الرد : لأنه قد كان يمكنه اختباره قبل الشراء ، ولكون ذلك منه محتملا : لأنه يجوز أن يكون كاتبا ، ويجوز أن يكون غلاما لكاتب .

وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لو كان عيبا مع الرؤيا لكان عيبا مع فقد الرؤيا كسائر العيوب ، فهو أننا نقول إنه عيب مع الرؤيا وفقد الرؤيا كسائر العيوب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث