الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن الحمر الإنسية

جزء التالي صفحة
السابق

باب النهي عن الحمر الإنسية [ ص: 128 ] ( عن أبي ثعلبة الخشني قال : { حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية } . متفق عليه ، وزاد أحمد : { ولحم كل ذي ناب من السباع } ) .

3575 - ( وعن البراء بن عازب قال : { نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية نضيجا ونيئا } ) . 3576 - ( وعن ابن عمر قال : { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية } متفق عليهما ) .

3577 - ( وعن ابن أبي أوفى قال : { نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر } . رواه أحمد والبخاري ) . 3578 - وعن زاهر الأسلمي وكان ممن شهد الشجرة قال { : إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى مناد : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهاكم عن لحوم الحمر } . 3579 - ( وعن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد : { يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحمر الأهلية ، قال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس ، وقرأ : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } } رواهما البخاري ) .

3580 - ( وعن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - { حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع والمجثمة والحمار الإنسي } . رواه أحمد والترمذي وصححه ) .

3581 - ( وعن ابن أبي أوفى قال : { أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ، فلما كان يوم [ ص: 129 ] خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أكفئوا القدور لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا ، فقال ناس : إنما نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنها لم تخمس ، وقال آخرون : نهى عنها ألبتة } . متفق عليه . وقد ثبت النهي من رواية علي وأنس وقد ذكرا ) .

التالي السابق


قوله : ( الإنسية ) قال في الفتح : بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الإنس ، ويقال فيه أنسية بفتحتين . وزعم ابن الأثير أن في كلام أبي موسى المديني ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون ، وقد صرح الجوهري أن الأنس بفتحتين ضد الوحشة ، ولم يقع في شيء من روايات الحديث بضم ثم سكون مع احتمال جوازه ، نعم زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون ، فقال ابن الأثير : إن أراد من جهة الرواية وإلا فهو ثابت في اللغة ، والمراد بالإنسية : الأهلية كما وقع في سائر الروايات .

ويؤخذ من التقييد بها جواز أكل الحمر الوحشية ، ولعله يأتي البحث عنها إن شاء الله . قوله : ( إذ نادى منادي ) وقع عند مسلم أن الذي نادى بذلك أبو طلحة ، ووقع عند مسلم أيضا بلالا نادى بذلك ، وعند النسائي أن المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف ، ولعل عبد الرحمن نادى أولا بالنهي مطلقا ، ثم نادى أبو طلحة بزيادة على ذلك وهو قوله : " فإنها رجس " قوله : وقرأ { قل لا أجد } الآية ، هذا الاستدلال إنما يتم في الأشياء التي لم يرد النص بتحريمها .

وأما الحمر الإنسية فقد تواترت النصوص على ذلك ، والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس . وأيضا الآية مكية . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : { إنما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر } رواه ابن ماجه والطبراني وإسناده ضعيف .

وفي البخاري في المغازي أن ابن عباس تردد هل كان النهي لمعنى خاص أو للتأبيد ؟ وعن بعضهم : إنما نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها كانت تأكل العذرة .

وفي حديث ابن أبي أوفى المذكور في الباب ، فقال ناس : إنما نهى عنها لأنها لم تخمس . قال الحافظ : وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس أو كانت جلالة أو غيرهما حديث أنس حيث جاء فيه " فإنها رجس " وكذلك الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة انتهى . والحديثان متفق عليهما ، وقد تقدما في أول الكتاب في باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح من كتاب الطهارة . قال القرطبي : ظاهره أن الضمير في إنها رجس عائد على الحمر لأنها المتحدث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها ، وهذا حكم النجس فيستفاد منه تحريم أكلها لعينها لا لمعنى خارج . وقال ابن دقيق العيد : الأمر بإكفاء القدور ظاهر أنه بسبب تحريم لحم الحمر . قال الحافظ : وقد وردت علل أخر إن صح رفع شيء [ ص: 130 ] منها وجب المصير إليه ، لكن لا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة . وحديث أبي ثعلبة صريح في التحريم فلا معدل عنه .

وأما التعليل بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بالخيل ، فإن في حديث جابر النهي عن الحمر والإذن في الخيل مقرونان ، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزتها وشدة حاجتهم إليها . قال النووي : قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا إلا عن ابن عباس ، وعند مالك ثلاث روايات ثالثها الكراهة .

وقد أخرج أبو داود عن غالب بن أبجر قال { أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة ، قال : أطعم أهلك من سمين حمرك ، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية } بفتح الجيم وتشديد اللام جمع جالة ، مثل سوام جمع سامة بتشديد الميم وهوام جمع هامة : يعني الجلالة وهي التي تأكل العذرة . والحديث لا تقوم به حجة . قال الحافظ : إسناده ضعيف : والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة فلا اعتماد عليه .

وقال المنذري : اختلف في إسناده كثيرا . وقال البيهقي : إسناده مضطرب . قال ابن عبد البر : روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم الحمر الأهلية علي عليه السلام وعبد الله بن عمر بن عمرو وجابر والبراء وعبد الله بن أبي أوفى وأنس وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح وحسان . وحديث غالب بن أبجر لا يعرج على مثله مع ما يعارضه ويحتمل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لهم في مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق بكونها تأكل العذرات . وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصر المحاربية { أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر الأهلية فقال : أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر ؟ قال : نعم : قال : فأصب من لحومها } وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرة قال : سألت فذكر نحوه . فقال الحافظ في السندين مقال ، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم . قال الطحاوي : لولا تواتر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها ، لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير ، وقد أجمع على حل الوحشي فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي . قال في الفتح : وما ادعاه من الإجماع مردود ، فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره الحيوان الوحشي كالهر . قوله : ( كل ذي ناب من السباع ) سيأتي الكلام فيه قوله : ( المجثمة ) بضم الميم وفتح وتشديد المثلثة على صيغة اسم المفعول ، وهي كل حيوان ينصب ويقتل ، إلا إنها قد كثرت في الطير والأرنب وما يجثم في الأرض : أي يلزمها ، والجثم في الأصل : لزوم المكان أو الوقوع على الصدر أو التلبد بالأرض كما في القاموس ، التجثيم نوع من المثلة . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث