الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عتق الأمة وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

2561 (11) باب

عتق الأمة وتزويجها

وهل يصح أن يجعل العتق صداقا؟

[ 1480 ] عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأرى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل المدينة قال: " الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاث مرار قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم فقالوا: محمد والخميس. قال: وأصبناها عنوة، وجمع السبي، فجاءه دحية فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية". فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها، فلما نظر إليها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها قال: وأعتقها فتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة، ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها، حتى إذا كانت بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسا فقال: من كان عنده شيء فليجئ به قال: وبسط نطعا قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رواه أحمد ( 3 \ 186 )، والبخاري (947)، ومسلم (1365) (84)، والنسائي ( 1 \ 271 ). [ ص: 137 ]

التالي السابق


[ ص: 137 ] (11) ومن باب عتق الأمة وتزويجها

(قوله: فانحسر الإزار عن فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ) إلى قوله: ( وإن ركبتي لتمس فخذه ) قد ذكرنا الخلاف في الفخذ: هل هو عورة أم لا؟ وهذا الحديث مما يستدل به من قال: إنه ليس بعورة، وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها الذي ذكرت فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مضطجعا في بيتها كاشفا عن فخذيه، فدخل أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - وهو كذلك. وسيأتي الحديث في مناقب عثمان رضي الله عنه.

وقد عارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي وصححه غيره من حديث جرهد ، عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو كاشف فخذه، فقال: (غط فخذك فإنها من العورة ). قال البخاري : حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط؛ كي يخرج من اختلافهم.

قلت: وقد يترجح الأخذ بحديث جرهد من وجه آخر، وهو: أن تلك [ ص: 138 ] الأحاديث قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة، يتطرق إليها من الاحتمال ما لا يتطرق لحديث جرهد ، فإنه إعطاء حكم كلي وتقعيد للقاعدة، فكان أولى.

بيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية؛ إذ كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه: بأن الفخذ عورة. ويحتمل حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر بانكشافه لهمه بشأن فتح خيبر، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يتوجه بشيء منها على حديث جرهد ، فكان أولى، والله تعالى أعلم.

وتكبيره صلى الله عليه وسلم تعظيم لله، وتحقير لهم، وتشجيع عليهم. وقد تكلمنا على معنى: "الله أكبر" في كتاب الحج.

و (قوله: خربت خيبر ) أي: صارت خرابا منهم. وهل ذلك على حقيقة الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار عن الغيب، أو على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لما خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ومرورهم؟ وقد قيل كل ذلك. والأول أولى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).

و (الساحة): الناحية، والجهة. و (ساء): أي: صار سيئا؛ من السوء. و (المنذر): أبلغ الإنذار، وهو التخويف بالإخبار عن المكروه. و (البشارة): الإخبار بالمحبوب. و ( الخميس ): الجيش؛ سمي بذلك؛ لأنه يقسم خمسة أخماس: القلب، والميمنة، والميسرة، والمقدمة، والساقة. وقيل: لأنه يخمس. وليس بشيء؛ لأن هذا أمر مستجد من جهة الشرع، وكان الخميس [ ص: 139 ] اسما للجيش معروفا قبل ذلك.

و (المكاتل): القفف والزنابيل. و (المرور): الحبال؛ لأنها تمر؛ أي: تفتل، واحدها: مر، كانوا يصعدون بها النخل، وقيل: هي المساحي.

و (قوله: وأصبناها عنوة ) يعني: أول حصونهم، وسيأتي ما افتتح منها عنوة، وما افتتح منها صلحا.

و (قوله: فجاء دحية فقال: يا رسول الله ! أعطني جارية من السبي. فقال: (اذهب فخذ) فأخذ صفية . ثم ذكر استرجاع النبي صلى الله عليه وسلم لصفية منه. قد ظن بعض المتكلمين على هذا الحديث: أن هذه العطية هبة من النبي صلى الله عليه وسلم لدحية ، فأشكل عليه استرجاعه إياها، فأخذ يعتذر عن هذا بأعذار. وهذا كله ليس بصحيح، ولا يحتاج إليه. وقد أزال إشكال هذه الرواية الروايات الآتية بعد التي ذكر فيها: أن صفية إنما صارت لدحية في مقسمه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها منه بسبعة أرؤس. وهذه الروايات المتفقة لا إشكال فيها. بل هي رافعة لما يتوهم من إشكال غيرها. ويبقى إشكال بين قوله: ( خذ جارية من السبي ) وبين قوله: ( وإنها صارت إليه في مقسمه ) يزيله تقدير: إنه إنما أراد: (خذ) بطريق القسمة. وفهم ذلك دحية بقرائن أو تصريح لم ينقله الراوي، فلم يأخذ دحية شيئا إلا بالقسمة. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حصل عنده أنها لا تصلح إلا له، من حيث إنها من بيت النبوة؛ فإنها من ولد هارون . ومن بيت الرئاسة؛ فإنها بنت سيد قريظة والنضير ، مع ما كانت عليه من الجمال المراد [ ص: 140 ] لكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد. وهذا من فعله كما قد نبه عليه بقوله: (تخيروا لنطفكم).

وأيضا: فمثل هذه تصلح أن تكون أما للمؤمنين. وحذار من أن يظن جاهل برسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي حمله على ذلك غلبة الشهوة النفسانية، وإيثار اللذة الجسمانية؛ فإن ذلك اعتقاد يجره جهل بحال النبي صلى الله عليه وسلم وبأنه معصوم من مثل ذلك؛ إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه فأسلم، فلا يأمره إلا بخير. وقد نزع الله من قلبه حظ الشيطان، حيث شق قلبه، فأخرجه منه، وطهره، وملأه حكمة وإيمانا، كما تقدم في الإسراء. وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرت لك، وما في معناه، والله تعالى أعلم.

و (قوله: أصدقها عتقها، أو نفسها ) استدل بهذا طائفة من أهل العلم على جواز جعل العتق صداقا. وبه قال الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو يوسف ، وروي عن ابن المسيب ، والحسن ، والنخعي ، والزهري . غير أن الشافعي يقول: هي بالخيار إذا أعتقها. فإن امتنعت فله عليها قيمتها. ومنع ذلك آخرون؛ منهم: مالك ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وزفر ؛ متمسكين باستحالة ذلك. ويتقرر ذلك من وجهين:

أحدهما: أن عقدها على نفسها، إما أن يقع قبل عتقها؛ وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرية، والرق. فإن الحرية حكمها الاستقلال، والرق حكمه الجبر، وهو عدم الاستقلال. فهما متناقضان. وإما بعد العتق، وهو أيضا محال؛ لزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز ألا ترضى، وحينئذ لا تنكح إلا برضاها.

[ ص: 141 ] وثانيهما: إنا إذا جعلنا العتق صداقا، فإما أن يتقرر العتق لها حالة رقها، وهو محال؛ لتناقضهما، أو حال حريتها، وحينئذ يلزم بسبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق حال فرض عدمه. وهو محال.

وبيانه: أن الصداق لا بد أن يتقرر تقدمه على الزوج، إما نصا، وإما حكما، حتى تملك الزوجة طلبته. وحينئذ يلزم ما ذكرناه، لا يقال: يبطل بنكاح التفويض، فإنا قد تحررنا عنه بقولنا: وإما حكما. فإنها وإن لم يتعين لها حالة العتق شيء، لكنها تملك مطالبته بالفرض وتعيين الصداق، لا سيما على مذهب الشافعي ؛ فإن مرجعه عنده إلى صداق المثل في الحياة والموت. فقد ظهر أنها ثبت لها حالة العقد شيء تطالب به الزوج، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون صداقا. ولما تقرر هذا عند أصحابنا اعتذروا عن قول أنس من أوجه:

أحدها: إنه قوله، وموقوف عليه. والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: إن ظاهر قوله: ( أعتقها وتزوجها ) أنه كان قد أعتقها ثم تزوجها بعد. وهذا على ما قدمناه في قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله [البقرة: 158] وقوله صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بما بدأ الله) فبدأ بالصفا .

وثالثها: إن قوله: ( أصدقها نفسها ) يحتمل أن يكون أنس لما لم ير صداقا، وسئل عنه، قال ذلك. ويعني به: أنه لم يصدقها شيئا. ويكون هذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم.

ورابعها: إنه لو سلم كونه مرفوعا نصا؛ فحينئذ يكون من خصائصه صلى الله عليه وسلم في باب النكاح. وقد ظهرت له فيه خصائص كثيرة، والله تعالى أعلم.

و (قوله: حتى إذا كانت بالطريق جهزتها له أم سليم ، وأهدتها له من الليل ) [ ص: 142 ] يعني: طريق رجوعه من خيبر إلى المدينة ، كما جاء في الرواية الأخرى مفسرا. وكان بين سبائها وبين دخول النبي صلى الله عليه وسلم بها زمان أسلمت فيه، واستبرئت، وأصلح حالها فيه، ثم دخل بها بعد. ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى: (ثم دفعها لأمي تصنعها، وتهيئها، وتعتد في بيتها) يعني: في بيت أم أنس .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث