الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قوله تعالى نساؤكم حرث لكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

2593 (15) باب

في قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم الآية

وما يقال عند الجماع

[ 1491 ] عن جابر بن عبد الله قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223].

زاد في رواية عن الزهري: إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد.


رواه البخاري (4528)، ومسلم (1435)، وأبو داود (2163)، والترمذي (2982).

التالي السابق


(15) ومن باب قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم

حديث جابر هذا نص على أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه. وفي كتاب أبي داود عن ابن عباس : أنها نزلت بسبب أن رجلا من المهاجرين تزوج أنصارية، فأراد أن يطأها شرحا على عادتهم في وطء نسائهم فأبت إلا على [ ص: 157 ] جنب على عادتهن، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223] أي: مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات؛ يعني بذلك موضع الولد.

قلت: هذان سببان مختلفان، لا بعد في نزول الآية جوابا للفريقين في وقت واحد، وتكرر نزول الآية في وقتين مختلفين، كما قد روي عن غير واحد من النقلة في الفاتحة: أنها تكرر نزولها بمكة والمدينة . وقد تمسك طائفة بعموم لفظ: أنى شئتم ورأوا أنها متناولة لقبل المرأة ودبرها. فأجازوا وطء المرأة في دبرها. وممن نسب إليه هذا القول سعيد بن المسيب ، ونافع ، وابن الماجشون من أصحابنا. وحكي عن مالك في كتاب يسمى: "كتاب السر"، ونسب الكتاب إلى مالك ، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه. وقد حكى العتبي إباحة ذلك عن مالك . وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نقل. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه. وقد حكينا نص ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سميناه: "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار"، وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين، ومتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق، والتحرير، والنقل، والتحبير. ومن وقف على ذلك قضى منه العجب العجاب، وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب. وجمهور السلف، والعلماء، وأئمة الفتوى على تحريم ذلك. ثم نقول: لا متمسك للمبيحين في الآية لأوجه متعددة؛ أقربها ثلاثة أمور:

[ ص: 158 ] أحدها: أنها نزلت جوابا لما ذكر، فيقتصر على نوع ما نزلت جوابا له، فإنهم سألوا عن جواز الوطء في الفرج من جهات متعددة، فأجيبوا بجوازه. و (أنى) على عمومها في جهات المسلك الواحد، لا في المسالك.

وثانيها: أن قوله تعالى: فأتوا حرثكم أنى شئتم تعيين للقبل؛ فإنه موضع الحرث، فإن الحرث إنما يكون في موضع البذر. وكذلك قال مالك لابن وهب ، وعلي بن زياد لما أخبراه: أن ناسا بمصر يتحدثون عنه: أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل. فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي، ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: نساؤكم حرث لكم ؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ !

وثالثها: أنه لو سلم أن (أنى) شاملة للمسالك بحكم عمومها، فهي مخصصة بأحاديث صحيحة، ومشهورة، رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم وطء النساء في الأدبار. ذكرها أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي . وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه: "تحريم المحل المكروه ". ومن أراد في هذه المسألة زيادة على ما ذكرناه فليطالع الجزء المذكور؛ الذي ألفناه.

و (قوله: مجبية وغير مجبية ) أي: على وجهها. وقد يقال: (مجبية) على ما إذا وضعت يديها على ركبتيها؛ حكاهما أبو عبيد .

و (قوله: غير أن ذلك في صمام واحد ) - بالصاد المهملة -؛ أي: في جحر [ ص: 159 ] واحد؛ يعني به: القبل. وأصل الصمام هو: ما تسد به القارورة.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث