الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب المضاربة )

يحتاج في هذا الكتاب إلى معرفة جواز هذا العقد ، وإلى معرفة ركنه ، وإلى معرفة شرائط الركن ، وإلى معرفة حكمه ، وإلى معرفة صفة العقد ، وإلى معرفة ما يبطل به ، ومعرفة حكمه إذا بطل ، وإلى بيان حكم اختلاف رب المال والمضارب .

( أما ) الأول ، فالقياس أنه لا يجوز ; لأنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم ، ولعمل مجهول ، لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع .

( أما ) الكتاب الكريم فقوله عز شأنه { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } والمضارب يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله عز وجل وقوله سبحانه وتعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } وقوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }

( وأما ) السنة ، فما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : { كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة ، اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة ، فإن فعل ذلك ضمن فبلغ شرطه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز شرطه } وكذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم وذلك تقرير لهم على ذلك ; والتقرير أحد وجوه السنة .

( وأما ) الإجماع ، فإنه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم دفعوا مال اليتيم ، مضاربة منهم سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وسيدتنا عائشة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد ، ومثله يكون إجماعا .

وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني سيدنا عمر قدما العراق وأبو موسى الأشعري أمير بها فقال لهما : لو كان عندي فضل لأكرمتكما ، ولكن عندي مال لبيت المال أدفعه إليكما ، فابتاعا به متاعا واحملاه إلى المدينة وبيعاه ، وادفعا ثمنه إلى أمير المؤمنين فلما قدما المدينة قال لهما سيدنا عمر رضي الله عنه : هذا مال المسلمين فاجعلا ربحه لهم فسكت عبد الله ، وقال عبيد الله : ليس لك ذلك ، لو هلك منا لضمنا فقال بعض الصحابة : يا أمير المؤمنين ، اجعلهما كالمضاربين في المال ، لهما النصف ولبيت المال النصف فرضي به سيدنا عمر رضي الله عنه وعلى هذا تعامل الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا في سائر الأعصار من غير إنكار من أحد ، وإجماع أهل كل عصر حجة ، فترك به القياس ، ونوع من القياس يدل على الجواز أيضا ، وهو أن الناس يحتاجون إلى عقد المضاربة ; لأن الإنسان قد يكون له مال لكنه لا يهتدي إلى التجارة ، وقد يهتدي إلى التجارة لكنه لا مال له ، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين ، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث