الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 96 ] 7

ودخلت سنة سبع

ذكر غزوة خيبر

لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية أقام بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم ، وسار إلى خيبر في ألف وأربعمائة رجل ، معهم مائتا فارس ، وكان مسيره إلى خيبر في المحرم سنة سبع ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، فمضى حتى نزل بجيشه بالرجيع ؛ ليحول بين أهل خيبر وغطفان ؛ لأنهم كانوا مظاهرين لهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقصدت غطفان خيبر ليظاهروا يهود عليه ، ثم خافوا المسلمين أن يخلفوهم في أهليهم وأموالهم ، فرجعوا ، ونزلوا بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويهود ، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال في مسيره لعامر بن الأكوع ، عم سلمة بن عمرو بن الأكوع : احد لنا ، فنزل ، وحداهم يقول :


والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا     فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا



فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : رحمك الله ! فقال له عمر : هلا أمتعتنا به يا رسول الله ! وكان إذا قالها لرجل قتل ، فلما نازلوا خيبر بارز عامر ، فعاد عليه سيفه فجرحه جرحا [ ص: 97 ] شديدا ، فمات منه ، فقال الناس : إنه قتل نفسه . فقال سلمة ابن أخيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما قالوا ، فقال : كذبوا ، بل له أجره مرتين . فلما أشرف عليها قال لأصحابه : قفوا . ثم قال : اللهم رب السماوات وما أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياض وما أذرين ، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله . وكان يقول ذلك لكل قرية يقدمها .

ونزل خيبر ليلا ولم يعلم أهلها ، فخرجوا عند الصباح إلى عملهم بمساحيهم ، فلما رأوه عادوا وقالوا : محمد والخميس ، يعنون الجيش ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين
.

ثم حصرهم وضيق عليهم ، وبدأ بالأموال يأخذها مالا مالا ، ويفتحها حصنا حصنا ، فكان أول حصن افتتحه حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن سلمة ، ألقي عليه منه رحى فقتلته ، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق ، وأصاب منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبايا ، منهم صفية بنت حيي بن أخطب ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فاصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ، وفشت السبايا في المسلمين ، وأكلوا لحوم الحمر الإنسية ، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها .

وكان الزبير بن باطا القرظي قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث ، فأطلقه ، فلما كان الآن أتاه ثابت فقال له : أتعرفني ؟ قال : وهل يجهل مثلي مثلك ! قال : أريد أن أجزيك بيدك عندي . قال : إن الكريم يجيز الكريم . فأتى ثابت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كان للزبير عندي يد أريد أن أجزيه بها فهبه لي . فوهبه له . فأتاه فقال له : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وهب لي دمك فهو لك . قال : شيخ كبير لا أهل له ولا ولد ، فاستوهب ثابت أهله وولده من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوهبهم له . فقال الزبير : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فاستوهب ثابت ماله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوهبه له ، فمن عليه بالجميع .

فقال الزبير : أي ثابت ، ما فعل الذي كان وجهه مرآة صقيلة ، يتراءى فيها عذارى الحي ؛ كعب بن أسد ؟ قال : قتل . قال : فما فعل سيد الحاضر والبادي ؛ حيي بن أخطب ؟ قال : قتل . قال : فما فعل مقدمتنا إذا شددنا ، وحاميتنا إذا كررنا ؛ عزال بن سموال ؟ قال . قتل . قال : فما فعل المجلسان ؟ يعني بني كعب بن قريظة ، وبني عمرو بن قريظة . قال : [ ص: 98 ] ذهبوا .

قال : فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم ، فوالله ما في العيش بعدهم خير . فقتله .

ثم افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصن الصعب ، وهو أكثرها طعاما وودكا ، ثم قصد حصنهم الوطيح والسلالم ، وكانا آخر ما افتتح ، فخرج منه مرحب اليهودي وهو يقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب     إذا الليوث أقبلت تلهب
كان حماي كالحمى لا يقرب



وسأل المبارزة ، فخرج إليه محمد بن سلمة وقال : أنا والله الموتور الثائر ، قتلوا أخي بالأمس . فأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمبارزته وقال : اللهم أعنه عليه ، فخرج إليه فتقاتلا طويلا ، ثم حمل مرحب على محمد بن سلمة فضربه ، فاتقاه بالدرقة ، فوقع سيفه فيها ، فعضت به فأمسكته ، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله . ثم خرج أخوه ياسر وهو يقول :

قد علمت خيبر أني ياسر شاكي السلاح بطل مغاور

وطلب المبارزة ، فخرج إليه الزبير بن العوام ، فقتله الزبير .

وقيل : إن الذي قتل مرحبا وأخذ الحصن - علي بن أبي طالب . وهو الأشهر والأصح .

قال بريدة الأسلمي : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما أخذته الشقيقة ، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج ، فلما نزل خيبر أخذته فلم يخرج إلى الناس ، فأخذ أبو بكر الراية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ، ثم رجع فأخذها عمر ، فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ، ثم رجع ، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أما والله لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يأخذها عنوة . وليس ثم علي ، [ ص: 99 ] كان قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه ، فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته هذه تطاولت لها قريش ، فأصبح فجاء علي على بعير له حتى أناخ قريبا من خباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أرمد ، قد عصب عينيه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ما لك ؟ قال : رمدت بعدك . فقال له : ادن مني . فدنا منه ، فتفل في عينيه ، فما شكا وجعا حتى مضى لسبيله . ثم أعطاه الراية ، فنهض بها وعليه حلة حمراء ، فأتى خيبر ، فأشرف عليه رجل من يهود فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب . فقال اليهودي : غلبتم يا معشر يهود ، وخرج مرحب صاحب الحصن ، وعليه مغفر يماني قد نقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب



فقال علي :


أنا الذي سمتني أمي حيدره     أكيلكم بالسيف كيل السندره
ليث بغابات شديد قسوره



فاختلفا ضربتين ، فبدره علي فضربه ، فقد الحجفة والمغفر ورأسه حتى وقع في الأرض ، وأخذ المدينة .

قال أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم : خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برايته إلى خيبر ، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله ، فقاتلهم ، فضربه يهودي فطرح ترسه من يده ، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه .

وكان فتحها في صفر .

فلما فتحت خيبر جاء بلال بصفية وأخرى معها على قتلى يهود ، فلما رأتهم التي مع صفية صرخت وصكت وجهها ، وحثت التراب على رأسها ، فاصطفى رسول الله [ ص: 100 ] - صلى الله عليه وسلم - صفية ، وأبعد الأخرى وقال : إنها شيطانة - لأجل فعلها . وقال لبلال : أنزعت منك الرحمة ؟ جئت بهما على قتلاهما !

وكانت صفية قد رأت في منامها وهي عروس لكنانة بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها ، فقال : ما هذا إلا أنك تتمنين محمدا . ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها ، فأتي بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبها أثر منها ، وسألها فأخبرته ، ودفع كنانة بن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة ، فقتله بأخيه محمود .

وحاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصني أهل خيبر الوطيح والسلالم ، فلما أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ، فأجابهم إلى ذلك ، وكان قد حاز الأموال كلها ، الشق ونطاة والكتيبة ، وجميع حصونهم .

فلما سمع بذلك أهل فدك بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يسيرهم ويخلوا له الأموال . ففعل ذلك ، ولما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وأن يخرجهم إذا شاء ، فساقاهم على الأموال على الشرط الذي طلبوا ، وفعل مثل ذلك أهل فدك ، وكانت خيبر فيئا للمسلمين ، وكانت فدك خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب .

ولما استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية مسمومة ، فوضعتها بين يديه ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، فأكل بشر منها ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة ، ثم دعا المرأة فاعترفت ، فقال : ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان نبيا فسيخبر ، وإن كان ملكا استرحنا منه . فتجاوز عنها . ومات بشر من تلك الأكلة .

[ ص: 101 ] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه : هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من أكلة خيبر . فكان المسلمون يرون أنه مات شهيدا مع كرامة النبوة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث