الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

3075 (19) كتاب الوصايا والفرائض

(1) باب

الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز

[ 1706 ] عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده".

وفي رواية: "يبيت ثلاث ليال". وفيها: قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي.


رواه أحمد ( 2 \ 57 و 80)، والبخاري (2728)، ومسلم (1627)، وأبو داود (2862)، والترمذي (974)، والنسائي ( 6 \ 238 )، وابن ماجه (2699). [ ص: 539 ]

التالي السابق


[ ص: 539 ] (19)

كتاب الوصايا والفرائض

(1) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز

الوصايا : جمع وصية؛ كالقضايا: جمع قضية، وهي في الأصل: عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله، ويعهد به في الحياة، وبعد الموت. وخصصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت.

و (قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) الحق في اللغة هو: الثابت مطلقا. فإذا أطلق في الشرع، فالمراد به: ثبوت الحكم فيه. ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون: واجبا، ومندوبا، ومباحا؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها، لكن إطلاق الحق على [ ص: 540 ] المباح قل ما يقع في الشريعة، وإنما يوجد فيها بمعنى الواجب، والندب. فإن اقترن به (على) أو ما في معناها؛ ظهر فيه قصد الوجوب. وإن لم يقترن به ذلك؛ كان محتملا للأمرين، كما قد جاء في هذا الحديث. وعلى هذا: فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية؛ لأنه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق: إنه قد اقترن به ما يدل على الندب. وهو إضافته للمسلم، وتعليق الوصية على الإرادة في قوله: ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ). واقتران مثل هذا يقوي إرادة الندب. ثم لو سلمنا: أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا تجب عليه الوصية. ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت.

وإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث، كما قال تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين [البقرة: 180] وهي بمجموع قرائنها نص في وجوب الوصية لمن ذكر فيها، ثم: إنها بعد ذلك نسخت. واختلف في ناسخها. فقيل: آية المواريث. وفيه إشكال؛ إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن هذا قد منع الإجماع منه. وهو خلاف نص قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث). فإذا آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية، بل بضميمة أخرى، وهي السنة المذكورة، ولذلك قال بعض علمائنا: إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسنة المذكورة، غير أنه يرد عليه: أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد.

[ ص: 541 ] والجواب عنه: إن ذلك قد كان معمولا به في الصحابة كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم. ولو سلمنا: أن ذلك لا يجوز؛ فلم يكن ذلك الخبر آحادا، بل كان متواترا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة ، وأخبرهم بنسخ ذلك بسنته. وأهل عرفة عدد كثير، وجم غفير، لا يحيط بهم بلد، ولا يحصرهم عدد، فقد كان متواترا، فنسخ المقطوع بالمقطوع. ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادا؛ لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين: أنه لا تجوز الوصية لوارث ، فقد ظهر: أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسنة ، وأنها مستند المجمعين، غير أنه قد ذهبت طائفة؛ وهم: الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وطاوس : إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخا في حق جميع القرابة، بل في حق الوارثين خاصة. واختاره الطبري .

قلت: وعلى هذا فلا يكون هذا نسخا عند هؤلاء، بل: تخصيصا لعموم قوله تعالى: والأقربين بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث) وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله: (لا وصية لوارث) متواترا؛ لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقا من الأكثر. وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول.

و (قوله: له شيء يوصي فيه ) عام في الأموال والبنين الصغار، والحقوق التي له وعليه كلها، من ديون، وكفارات، وزكوات فرط فيها، فإذا وصى بذلك؛ أخرجت الديون من رأس المال. والكفارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيل يعرف في الفقه.

[ ص: 542 ] و (قوله: يبيت ليلتين ) المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث: التقريب، وتقليل مدة ترك كتب الوصية. ولذلك لما سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته. والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خص الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه، فيتحقق بذلك، ويروي فيها ما يوصي به، ولمن يوصي، إلى غير ذلك.

و (قوله: إلا ووصيته مكتوبة عنده ) ذكر الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق؛ لأنه إنما يعني: بكونها مكتوبة، مشهودا بها. وهي الوصية المتفق على العمل بها، فلو أشهد بها العدول، وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها، وإن لم تكتب خطا، فلو كتبها بيده، ولم يشهد بها؛ فلم يختلف قول مالك : أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، فيلزم تنفيذه. واختلف عن مالك فيما إذا كتبها، وأشهد عليها، فقال فيها: إن مت في سفري هذا، أو في مرضي هذا، فسلم من الموت في ذلك السفر والمرض، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك. فهل تنفذ أو لا؟ قولان. فلو وضعها على يد غيره نفذت. ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السفر، وأمسكها عنده إلى أن مات نفذت قولا واحدا. وتفصيل مسائل الوصايا في الأمهات.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث