الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب الإقرار بالزنا

( قال ) رضي الله عنه حد الزنا لا يقام بالإقرار إلا بالإقرار أربع مرات في أربعة مجالس عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يقام بالإقرار مرة واحدة ، وقال ابن ليلى رحمه الله تعالى : يقام بالإقرار أربع مرات ، وإن كان في مجلس واحد واحتج الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم { اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها } ، وأن { الغامدية لما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن بي حبلا من الزنا ، قال : اذهبي حتى تضعي حملك ثم رجمها } ، ولم يشترط الأقارير الأربعة واعتبر هذا الحق بسائر الحقوق فما يندرئ بالشبهات ، وما لا يندرئ بالشبهات يثبت بالإقرار الواحد .

وبهذا تبين أن الإقرار غير معتبر بالشهادة في العدد ، فإن في سائر الحقوق العدد معتبر في الشهادة دون الإقرار ، وكذلك في هذا الموضع العدالة تعتبر في الشهادة دون الإقرار ، وكذلك في هذا الموضع الذكورة ولفظ الشهادة يعتبر في الشهادة دون الإقرار ، وهذا لأن زيادة طمأنينة القلب تحصل بزيادة العدد ، ولا يحصل ذلك بتكرار الكلام من واحد ، وفي أحد الحكمين ، وهو سقوط حد عن القاذف يعتبر عدد الأربعة في الشهادة دون الإقرار ، فكذلك في الحكم الآخر وابن أبي ليلى رحمه الله تعالى اعتبر الإقرار بالشهادة بعلة أنه أحد حجتي الزنا ، ثم في الشهادة المعتبر عدد الأربعة دون اختلاف المجالس ، فكذلك في الإقرار ( وحجتنا ) فيه [ ص: 92 ] حديث { ماعز بن مالك رحمه الله تعالى ، فإنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : زنيت فطهرني فأعرض عنه ، فجاء إلى الجانب الآخر فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، فجاء إلى الجانب الثالث وقال مثل ذلك فأعرض عنه ، فجاء إلى الجانب الرابع وقال مثل ذلك } ، وفي رواية { قال في كل مرة ، وأن هذا للآخر فلما كان في المرة الرابعة قال صلى الله عليه وسلم الآن أقررت أربعا فبمن زنيت } ، وفي رواية { الآن شهدت على نفسك أربعا فبمن زنيت ؟ قال : بفلانة ، قال : لعلك قبلتها أو لمستها بشهوة ، لعلك باشرتها فأبى إلا أن يقر بصريح الزنا فقال : أبك خبل ؟ أبك جنون ؟ } ، وفي رواية { بعث إلى أهله هل ينكرون من عقله شيئا ؟ فقالوا : لا فسأل عن إحصانه فوجده محصنا فأمر برجمه } .

فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه في المرة الأولى والثانية والثالثة وحكم بالرابعة ، ولو لم يكن العدد من شرطه لم يسعه الإعراض عنه على ما قاله صلى الله عليه وسلم { لا ينبغي لوال عنده حد من حدود الله ألا يقيمه } ، ألا ترى أنه في المرة الرابعة لما تمت الحجة كيف لم يعرض عنه ؟ ولكنه قال : الآن أقررت أربعا واشتغل بطلب ما يدرأ عنه الحد فحين لم يجد ذلك اشتغل بالإقامة ، ولا يقال : إنما أعرض عنه ; لأنه أحس به الجنون على ما روي أنه جاء أشعث أغبر ثائر الرأس وإليه أشار في قوله : " أبك خبل ؟ " ثم لما رأى إصراره على كلام واحد علم أنه ليس به جنون ، وهذا ; لأنه قال : الآن أقررت أربعا ، وفي هذا تنصيص أن الإعراض قبل هذا لعدم قيام الحجة ، وقد جاء تائبا مستسلما مؤثرا عقوبة الدنيا على الآخرة ، فكيف يكون هذا دليل جنونه ؟ وإنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلب ما يدرأ به عنه الحد ، كما لقن المقر الرجوع بقوله : أسرقت ؟ ما إخاله سرق ، أسرقت ؟ قولي لا ، وإنما كان أشعث أغبر ; لأنه جاء من البادية ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا علامة الأبرار فقال { رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره } وابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يستدل بهذا الحديث أيضا ويقول المذكور عدد الأقارير دون اختلاف المجالس ، ولكنا نقول قد وجد اختلاف مجالس المقر على ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرده في كل مرة حتى توارى بحيطان المدينة ثم رجع } ، وفي رواية { ، قال : اذهب ويلك فاستغفر الله فذهب حتى غاب عن بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع } فالمعتبر اختلاف مجالس المقر دون القاضي ، حتى إذا غاب عن بصر القاضي في كل مرة يكفي هذا لاختلاف المجالس ، والذي روي أنه أقر خمس مرات ، فإنما يحمل ذلك على إقرارين كانا منه في مجلس واحد فكانا [ ص: 93 ] كإقرار واحد وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قال له أقررت ثلاث مرات إن أقررت الرابعة رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية ، قال : إياك والرابعة ، فإنها موجبة وعن بريدة الأسلمي ، قال : كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن ماعزا لو جلس في بيته بعد ما أقر ثلاثا ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه من يرجمه فدل على أن اشتراط عدد الأقارير كان معروفا فيما بينهم ، وأن المراد من قوله { : فإن اعترفت فارجمها } الاعتراف المعروف في الزنا ، وهو أربع مرات .

والصحيح من حديث الغامدية أنها أقرت أربع مرات هكذا ذكر الطحطاوي رحمه الله تعالى إلا أن الأقارير منها كانت في أوقات مختلفة قبل الوضع وبعد الوضع وبعد ما طهرت من نفاسها وبعد ما فطمت ولدها ، ولهذا لم تتفق الرواية على نقل الأقارير الأربعة في حديثها ، والذي روي أنها قالت : أتريد أن ترددني ، كما رددت ماعزا لا يكاد يصح ; لأن ترديد ماعز كان حكما شرعيا فلا يظن بها أنها جاءت لطلب التطهير ثم تعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما هو حكم شرعي واعتبار هذا الحق بسائر الحقوق باطل ، فقد ظهر فيها من التغليظ ما لم يظهر في سائر الأشياء من ذلك أن النسبة إلى هذا الفعل موجب للحد بخلاف سائر الأفعال وموجب للعان إذا حصل من الزوج في زوجته بخلاف سائر الأفعال .

ويشترط في إحدى الحجتين من العدد ما لا يشترط في سائرها وكل ذلك للتغليظ ، فكذلك اعتبار عدد الإقرار إلا أن العدد في الشهادة يثبت حقيقة وحكما بدون اختلاف المجالس ، ولا يثبت في الإقرار حكما إلا باختلاف المجالس ; لأن الكلام إذا تكرر من واحد في مجلس واحد بطريق الإخبار يجعل ككلام واحد ، وإنما يتحقق معنى التغليظ باشتراط العدد في الإقرار الموجب للحد لا في الإقرار المسقط للحد عن القاذف ، ألا ترى أن التصريح بلفظ الزنا يعتبر في الإقرار الموجب للحد دون المسقط ؟ وكذلك عدد الأربعة بالشهود حتى إذا قذف امرأة بالزنا فشهد عليها شاهدان أنها أكرهت على الزنا سقط حد عن القاذف .

إذا عرفنا هذا فنقول ينبغي للإمام أن يرد المعترف بالزنا في المرة الأولى والثانية والثالثة لحديث عمر رضي الله عنه ، قال : اطردوا المعترفين بالزنا ، فإذا عاد الرابعة فأقر عنده سأله عن الزنا ما هو ، وكيف هو وبمن زنى وأين زنى لما بينا في الشهادة إلا أن في الإقرار لا يسأله متى زنى ; لأن حد الزنا يقام بالإقرار بعد التقادم ، وإنما لا يقام بالبينة ، فلهذا يسأل الشهود متى زنى ، ولا يسأل المقر عن ذلك ، فإذا وصفه وأثبته قال له فلعلك تزوجتها أو وطئتها [ ص: 94 ] بشبهة ، وهذا في معنى تلقين الرجوع والإمام مندوب إليه ، وهو نظير ما { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز لعلك قبلتها } ، فإن ، قال : لا نظر في عقله وسأل أهله عن ذلك ، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ماعز ، وهذا ; لأن الإقرار من المجنون والمعتوه هدر ، والعقل ليس بمعاين فلا بد للإمام من أن يتأمل في ذلك ، فإذا علم أنه صحيح العقل يسأل عن الإحصان ; لأن ما يلزمه من العقوبة يختلف بإحصانه وعدم إحصانه ، وسأله عن ذلك فعسى يقربه ولا يطول الأمر على القاضي في طلب البينة على إحصانه ، فإذا قال : أحصنت استفسره في ذلك ; لأن اسم الإحصان ينطلق على خصال ، وربما لا يعرف المقر بعضها فيسأله لهذا ، فإذا فسره أمر برجمه ، فإذا رجم غسل وكفن وحنط وصلي عليه ; لأنه مقتول بحق فيصنع به ما يصنع بالموتى .

{ وقد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسل ماعز وتكفينه والصلاة عليه فقال : اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم } زاد في رواية { ولقد تاب توبة لو قسمت توبته على أهل الحجاز لوسعتهم ، وفي رواية على أهل الأرض ، وقد رأيته ينغمس في أنهار الجنة } ، وروي { أن رجلين من الصحابة قالا فيما بينهما : ما ركنت نفسه حتى جاء واعترف فقتل كما يقتل الكلاب ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت حتى مروا بحمار ميت فقال للرجلين : انزلا فكلا فقالا : إنها ميتة ، فقال : تناولكما من عرض أخيكما أعظم من ذلك }

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث