الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

في مسائل مهمة .

منها : باع عبدا بشرط الخيار ، فوقع وقت الوجوب في زمن الخيار ، إن قلنا : الملك في زمن الخيار للبائع ، فعليه فطرته وإن أمضي البيع ، وإن قلنا : للمشتري ، فعليه فطرته وإن فسخ ، وإن توقفنا ، فإن تم البيع ، فعلى المشتري ، وإلا ، فعلى البائع ، وإن صادف وقت الوجوب خيار المجلس ، فهو كخيار الشرط .

ومنها : لو مات عن رقيق ، ثم أهل شوال ، فإن لم يكن عليه دين ، أخرج ورثته الفطرة عن الرقيق كل بقدر حصته .

فإن كان عليه دين يستغرق التركة ، بني ذلك على أن الدين هل يمنع انتقال الملك في التركة إلى الوارث ؟ والصحيح المنصوص : أنه لا يمنع . وقال الإصطخري : يمنع .

فإن قلنا بالصحيح ، فعليهم فطرته ، سواء بيع في الدين ، أو لم يبع . وفي كلام الإمام : أنه يجيء فيه خلاف المرهون والمغصوب . وإذا قلنا بقول الإصطخري ، فإن بيع في الدين ، فلا شيء عليهم ، وإلا ، فعليهم الفطرة .

وفي " الشامل " وجه : أنه لا تجب عليهم [ ص: 306 ] مطلقا .

وعن القاضي أبي الطيب : أن فطرته تجب في تركة السيد على أحد القولين ، كالموصى بخدمته . هذا إذا مات السيد قبل هلال شوال ، فلو مات بعده ، ففطرة العبد على السيد كفطرة نفسه ، وتقدم على الميراث والوصايا . وفي تقديمها على الدين طرق .

أصحها : أنه على الأقوال الثلاثة التي قدمناها في زكاة المال ، والثاني : القطع بتقديم فطرة العبد لتعلقها به ، كأرش جنايته . وفي فطرة نفسه ، الأقوال .

والثالث : القطع بتقديم فطرة نفسه أيضا لقلتها في الغالب ، وسواء أثبتنا الخلاف ، أم لا ، فالمنصوص في " المختصر " : تقديم الفطرة على الدين ، لأنه قال : ولو مات بعد ما أهل شوال وله رقيق ، فالفطرة عنه وعنهم في ماله مقدمة على الديون .

ولك أن تحتج بهذا النص على خلاف ما قدمناه ، وعن إمام الحرمين ، لأن سياقه يفهم منه أن المراد ما إذا طرأت الفطرة على الدين الواجب ، وإذا كان كذلك ، لم يكن الدين مانعا .

وبتقدير أن لا يكون كذلك ، فاللفظ مطلق يشمل ما إذا طرأت الفطرة على الدين ، والعكس ، فاقتضى ذلك أن لا يكون الدين مانعا .

ومنها : أوصى لإنسان بعبد ، ومات الموصي بعد وقت الوجوب ، فالفطرة في تركته . فإن مات قبله وقبل الموصى له الوصية قبل الهلاك ، فالفطرة عليه ، وإن لم يقبل حتى دخل وقت الوجوب ، فعلى من تجب الفطرة ؟ يبنى على أن الموصى له متى يملك الوصية ؟ إن قلنا : يملكها بموت الموصي ، فقبل ، فعليه الفطرة ، وإن رد ، فوجهان . أصحهما : الوجوب ، لأنه كان مالكا ، والثاني : لا ، لعدم استقرار الملك .

وإن قلنا : يملكها بالقبول ، بني على أن الملك قبل القبول لمن ؟ فيه وجهان . أصحهما : للورثة . فعلى هذا في الفطرة وجهان .

أصحهما : عليهم ، والثاني : لا ، والثاني من الأولين ، أنه باق على ملك الميت . فعلى هذا ، لا تجب فطرته على أحد على المذهب ، وحكى في التهذيب وجها : أنها تجب في تركته .

وإن قلنا بالتوقف ، فإن قبل ، فعليه الفطرة ، وإلا ، فعلى الورثة . هذا كله إذا قبل الموصى له ، فلو مات قبل القبول ، وبعد وقت الوجوب ، فقبول وارثه قائم [ ص: 307 ] مقام قبوله ، والملك يقع له . فحيث أوجبنا عليه الفطرة إذا قبلها بنفسه ، فهي من تركته إذا قبل وارثه .

فإن لم يكن له تركة سوى العبد ، ففي بيع جزء منه للفطرة ما سبق . ولو مات قبل وقت الوجوب أو معه ، فالفطرة على الورثة إذا قبلوا ، لأن وقت الوجوب كان في ملكهم .

قلت : قال الجرجاني في " المعاياة " : ليس عبد مسلم لا يجب إخراج الفطرة ، إلا ثلاثة . أحدهم : المكاتب ، والثاني : إذا ملك عبده عبدا ، وقلنا : يملك ، لا فطرة على المولى الأصلي ، لزوال ملكه ، ولا على العبد المملك ، لضعف ملكه والثالث : عبد مسلم لكافر إذا قلنا : تجب على المؤدي ابتداء .

ويجيء رابع على [ قول ] الإصطخري وغيره ، فيما إذا مات قبيل هلال شوال وعليه دين ، وله عبد ، كما سبق .

ولو أخرج الأب من ماله فطرة ولده الصغير الغني ، جاز كالأجنبي إذا أذن ، بخلاف الابن الكبير ، ولو كان نصفه مكاتبا حيث يتصور ذلك في العبد المشترك ، إذا جوزنا كتابة بعضه بإذن الشريك ، وجب نصف صاع على المالك لنصفه القن ، ولا شيء في النصف المكاتب ، ومثله عبد مشترك بين معسر وموسر ، يجب على الموسر نصف صاع ، ولا يجب غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث