الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان

قيل : كان فتح رامهرمز وتستر والسوس في سنة سبع عشرة ، وقيل : سنة تسع عشرة ، وقيل : سنة عشرين .

وكان سبب فتحها أن يزدجرد لم يزل وهو بمرو يثير أهل فارس أسفا على ما خرج من ملكهم ، فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز ، وتعاقدوا على النصرة ، فجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزءا وسلمى وحرملة ، فكتبوا إلى عمر بالخبر ، فكتب عمر إلى سعد : أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن ، وعجل فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره . وكتب إلى أبي موسى : أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا ، وأمر عليهم سهل بن عدي أخا سهيل ، وابعث معه البراء بن مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم ، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم .

فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فسار إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل ، فخلف حرقوصا وسلمى وحرملة وسار نحو الهرمزان ، وهو برامهرمز . فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ورجا أن يقتطعه ومعه أهل فارس ، فالتقى [ ص: 368 ] النعمان والهرمزان بأربك ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم إن الله - عز وجل - هزم الهرمزان ، فترك رامهرمز ولحق بتستر ، وسار النعمان إلى رامهرمز ونزلها وصعد إلى إيذج ، فصالحه تيرويه على إيذج ، ورجع إلى رامهرمز فأقام بها . ووصل أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز ، وهم يريدون رامهرمز ، فأتاهم خبر الوقعة وهم بسوق الأهواز ، وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر ، فساروا نحوه ، وسار النعمان أيضا ، وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء ، فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق ، وأمدهم عمر بأبي موسى ، وجعله على أهل البصرة ، وعلى الجميع أبو سبرة ، فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل ، وقتل البراء بن مالك ، وهو أخو أنس بن مالك ، في ذلك الحصار إلى الفتح مائة مبارزة ، سوى من قتل في غير ذلك ، وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ثور وعدة من أهل البصرة وأهل الكوفة ، وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين زحفا ، يكون لهم مرة ، ومرة عليهم . فلما كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون : يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا . قال : اللهم اهزمهم لنا واستشهدني ، وكان مجاب الدعوة ، فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بها المسلمون .

فبينما هم على ذلك ، وقد ضاقت المدينة بهم وطالت حربهم ، خرج رجل إلى النعمان يستأمنه ، على أن يدله على مدخل يدخلون منه ، ورمى في ناحية أبي موسى بسهم : إن آمنتموني دللتكم على مكان تأتون المدينة منه . فآمنوه في نشابة . فرمى إليهم بأخرى وقال : انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم تقتحمونها . فندب الناس إليه ، فانتدب له عامر بن عبد قيس وبشر كثير ونهدوا لذلك المكان ليلا ، وقد ندب النعمان أصحابه ليسيروا مع الرجل الذي يدلهم على المدخل إلى المدينة ، فانتدب له بشر كثير ، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج ، فدخلوا في السرب والناس من خارج . فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج ، وفتحت الأبواب ، فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل ، وقصد الهرمزان القلعة فتحصن بها ، وأطاف به الذين دخلوا ، فنزل إليهم على حكم عمر ، فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم ، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف ، وسهم الراجل ألفا . وجاء صاحب الرمية والرجل الذي خرج بنفسه فأمنوهما ومن أغلق بابه معهما .

[ ص: 369 ] وقتل من المسلمين تلك الليلة بشر كثير ، وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور والبراء بن مالك . وخرج أبو سبرة بنفسه في أثر المنهزمين إلى السوس ، ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن وأبو موسى ، وكتبوا إلى عمر فكتب إلى أبي موسى برده إلى البصرة ، وهي المرة الثالثة ، فانصرف إليها من على السوس .

وسار زر بن عبد الله بن كليب الفقيمي إلى جنديسابور فنزل عليها ، وهو من الصحابة ، وأمر عمر على جند البصرة المقترب ، وهو الأسود بن ربيعة أحد بني ربيعة بن مالك ، وهو صحابي أيضا ، وكانا مهاجرين ، وكان الأسود قد وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : جئت لأقترب إلى الله بصحبتك ، فسماه المقترب .

وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر بن الخطاب ، فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس ومعهم الهرمزان ، فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه ، وكان مكللا بالياقوت ، وحليته ليراه عمر والمسلمون ، فطلبوا عمر فلم يجدوه ، فسألوا عنه فقيل : جلس في المسجد لوفد من الكوفة ، فوجدوه في المسجد متوسدا برنسه ، وكان قد لبسه للوفد ، فلما قاموا عنه توسده ونام ، فجلسوا دونه وهو نائم والدرة في يده ، فقال الهرمزان : أين عمر ؟ قالوا : هو ذا . فقال : أين حرسه وحجابه ؟ قالوا : ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب . قال : فينبغي أن يكون نبيا . قالوا : بل يعمل بعمل الأنبياء .

فاستيقظ عمر بجلبة الناس فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان ، فقال : الهرمزان ؟ قالوا : نعم . فقال : الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وغيره أشباهه ! فأمر بنزع ما عليه ، فنزعوه وألبسوه ثوبا صفيقا ، فقال له عمر : يا هرمزان ، كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله ؟ فقال : يا عمر ، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم ، فلما كان الآن معكم غلبتمونا . ثم قال له : ما حجتك وما عذرك في انتقاضك مرة بعد أخرى ؟ فقال : أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك . قال : لا تخف ذلك . واستسقى ماء فأتي به في قدح غليظ ، فقال : لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا ! فأتي به في إناء يرضاه ، قال : إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب . فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه . فأكفأه ، فقال عمر : أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش . فقال : لا حاجة لي في الماء ، إنما أردت أن أستأمن به . فقال عمر له : إني قاتلك . فقال : قد آمنتني . فقال : كذبت . قال أنس : صدق يا أمير المؤمنين ، قد آمنته . قال عمر : يا أنس ، أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك ! والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك . قال : قلت له : لا بأس عليك حتى تخبرني ولا بأس عليك حتى تشربه . وقال له من حوله مثل ذلك . فأقبل على [ ص: 370 ] الهرمزان وقال : خدعتني ، والله لا أنخدع إلا أن تسلم . فأسلم ، ففرض له في ألفين وأنزله المدينة ، وكان المترجم بينهما المغيرة بن شعبة ، وكان يفقه شيئا من الفارسية ، إلى أن جاء المترجم .

وقال عمر للوفد : لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة فلهذا ينتقضون بكم ؟ قالوا : ما نعلم إلا وفاء . قال : فكيف هذا ؟ فلم يشفه أحد منهم ، إلا أن الأحنف قال له : يا أمير المؤمنين إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد ، وإن ملك فارس بين أظهرهم ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم ، ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه ، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم ، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم ، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم ، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس . فقال : صدقتني والله ! ونظر في حوائجهم وسرحهم ، وأتى عمر الكتاب باجتماع أهل نهاوند ، فأذن في الانسياح في بلاد الفرس .

( وقتل محمد بن جعفر بن أبي طالب شهيدا على تستر في قول بعضهم ) .

( أربك : بفتح الهمزة ، وسكون الراء ، وضم الباء الموحدة ، وفي آخره كاف ، موضع عند الأهواز .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث