الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 502 ] [ ص: 503 ] ( 32 )

ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين

( قيل : في هذه السنة غزا معاوية بن أبي سفيان مضيق القسطنطينية ومعه زوجته عاتكة بنت قرظة ، وقيل فاختة ) .

ذكر ظفر الترك وقتل عبد الرحمن بن ربيعة

في هذه السنة انتصرت الخزر والترك على المسلمين .

وسببه أن الغزوات لما تتابعت عليهم تذامروا وقالوا : كنا [ أمة ] لا يقرن بنا أحد ، حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها . فقال بعضهم : إن هؤلاء لا يموتون وما أصيب منهم أحد في غزوهم . وقد كان المسلمون غزوهم قبل ذلك فلم يقتل منهم أحد ، فلهذا ظنوا أنهم لا يموتون . فقال بعضهم : أفلا تجربون ؟ فكمنوا لهم في الغياض ، فمر بالكمين نفر من الجند فرموهم منها فقتلوهم ، فتواعد رءوسهم إلى حربهم ثم اتعدوا يوما . وكان عثمان قد كتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة وهو على الباب : إن الرعية قد أبطرها البطنة ، فلا تقتحم بالمسلمين فإني أخشى أن يقتلوا . فلم يرجع عبد الرحمن عن مقصده ، فغزا نحو بلنجر ، وكان الترك قد اجتمعت مع الخزر ، فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا وقتل عبد الرحمن ، وكان يقال له ذو النور ، وهو اسم سيفه ، فأخذ أهل بلنجر جسده وجعلوه في تابوت فهم يستسقون به ، فلما قتل انهزم الناس وافترقوا فرقتين : فرقة نحو الباب ، فلقوا سلمان بن ربيعة أخا عبد الرحمن ، كان قد سيره سعيد بن العاص مددا [ ص: 504 ] للمسلمين بأمر عثمان ، فلما لقوه نجوا معه ، وفرقة نحو جيلان وجرجان ، فيهم سلمان الفارسي وأبو هريرة ، وكان في ذلك العسكر يزيد بن معاوية النخعي ، وعلقمة بن قيس ، ومعضد الشيباني ، وأبو مفرز التميمي في خباء واحد ، وعمرو بن عتبة ، وخالد بن ربيعة ، والحلحال بن ذري ، والقرثع في خباء ، فكانوا متجاورين في ذلك العسكر ، وكان القرثع يقول : ما أحسن لمع الدماء على الثياب ! وكان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه : ما أحسن حمرة الدماء على بياضك !

ورأى يزيد بن معاوية أن غزالا جيء به لم ير أحسن منه فلف في ملحفة ، ثم دفن في قبر لم ير أحسن منه عليه ثلاثة نفر قعود ، فلما استيقظ واقتتل الناس رمي بحجر فهشم رأسه فمات ، فكأنما زين ثوبه بالدماء وليس بتلطيخ ، فدفن في قبر على الصورة التي رأى .

وقال معضد لعلقمة : أعرني بردك أعصب به رأسي ، ففعل ، فأتى برج بلنجر الذي أصيب فيه يزيد فرماهم فقتل منهم ، وأتاه حجر عرادة ففضخ هامته ، فأخذه أصحابه فدفنوه إلى جنب يزيد ، وأخذ علقمة البرد ، فكان يغسله فلا يخرج أثر الدم منه ، وكان يشهد فيه الجمعة ويقول : يحملني على هذا أن دم معضد فيه . وأصاب عمرو بن عتبة جراحة فرأى قباءه كما اشتهى ثم قتل . وأما القرثع فإنه قاتل حتى خرق بالحراب ، فبلغ الخبر بذلك عثمان فقال : إنا لله ، انتكث أهل الكوفة ، اللهم تب عليهم وأقبل بهم !

وكان عثمان قد كتب إلى سعيد بن العاص أن ينفذ سلمان إلى الباب للغزو ، فسيره فلقي المهزومين ، على ما تقدم ، فنجاهم الله به . فلما أصيب عبد الرحمن استعمل سعيد سلمان بن ربيعة على الباب ، واستعمل على الغزو بأهل الكوفة حذيفة بن اليمان ، ومدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة ، فتأمر عليهم سلمان وأبو حبيب حتى قال أهل الشام : لقد هممنا بضرب سلمان . فقال الكوفيون : إذن والله نضرب حبيبا ونحبسه ، وإن أبيتم كثرت القتلى فينا وفيكم ، وقال أوس بن مغراء في ذلك :


إن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل     وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا
وهذا أمير في الكتائب مقبل

[ ص: 505 ]     ونحن ولاة الأمر كنا حماته
ليالي نرمي كل ثغر ونعكل



وأراد حبيب أن يتأمر على صاحب الباب كما يتأمر أمير الجيش إذا جاء من الكوفة ، فكان ذلك أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة والشام . وغزا حذيفة ثلاث غزوات ، فقتل عثمان في الثالثة ، ولقيهم مقتل عثمان فقال حذيفة بن اليمان : اللهم العن قتلته وشتامه ! اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا فاتخذوا ذلك سلما إلى الفتنة ! اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف !

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث