الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

وفي هذه السنة بويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقد اختلفوا في كيفية بيعته ، فقيل : إنه لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير ، فأتوا عليا فقالوا له : إنه لا بد للناس من إمام . قال : لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به . فقالوا : ما نختار غيرك ، وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك : إنا لا نعلم أحدا أحق به منك ، لا أقدم سابقة ، ولا أقرب قرابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا . فقالوا : والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك . قال : ففي المسجد ، فإن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد . وكان في بيته ، وقيل : في حائط لبني عمرو بن مبذول ، فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا على قوس ، فبايعه الناس ، وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله ، فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال : إنا لله ! أول من بدأ بالبيعة يد شلاء ، لا يتم هذا الأمر ! وبايعه الزبير . وقال لهما علي : إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما . فقالا : بل نبايعك . وقالا بعد ذلك : إنما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا ، وعرفنا أنه لا يبايعنا . وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر . وبايعه الناس ، وجاءوا بسعد بن أبي وقاص ، فقال علي : بايع فقال : لا ، حتى يبايع الناس ، والله ما عليك مني بأس . فقال : خلوا سبيله . وجاءوا بابن عمر فقالوا : [ ص: 555 ] بايع . قال : لا ، حتى يبايع الناس . قال : ائتني بكفيل . قال : لا أرى كفيلا . قال الأشتر : دعني أضرب عنقه ! قال علي : دعوه أنا كفيله ، إنك ما علمت لسيء الخلق صغيرا وكبيرا .

وبايعت الأنصار إلا نفيرا يسيرا ، منهم : حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، وفضالة بن عبيد ، وكعب بن عجرة ، وكانوا عثمانية ، فأما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع ، وأما زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال ، فلما حصر عثمان قال : يا معشر الأنصار كونوا أنصارا لله ، مرتين ، فقال له أبو أيوب : ما تنصره إلا لأنه أكثر لك من العبدان . وأما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك له ما أخذ منهم ، ولم يبايعه عبد الله بن سلام ، وصهيب بن سنان ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، وأسامة بن زيد ، وقدامة بن مظعون ، والمغيرة بن شعبة .

فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه ، وهرب به فلحق بالشام ، فكان معاوية يعلق قميص عثمان وفيه الأصابع ، فإذا رأى ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدا في أمرهم ، ثم رفعه ، فإذا أحس منهم بفتور يقول له عمرو بن العاص : حرك لها حوارها تحن ، فيعلقها .

وقد قيل : إن طلحة والزبير إنما بايعا عليا كرها ، ( وقيل : لم يبايعه الزبير ولا صهيب ولا سلمة بن سلامة بن وقش وأسامة بن زيد .

فأما على قول من قال : إن طلحة والزبير بايعا كرها فقال ) : إن عثمان لما قتل بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ، ووجدوا طلحة في حائط له ، ووجدوا سعدا والزبير قد خرجا من المدينة ، ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب ، وهرب سعيد والوليد ومروان إلى مكة ، وتبعهم غيرهم ، فأتى المصريون عليا فباعدهم ، وأتى الكوفيون الزبير فباعدهم ، وأتى البصريون طلحة فباعدهم ، وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي [ ص: 556 ] الخلافة . فأرسلوا إلى سعد يطلبونه ، فقال : إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها ، فأتوا ابن عمر فلم يجبهم ، فبقوا حيارى . وقال بعضهم لبعض : لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة . فجمعوا أهل المدينة فقالوا لهم : يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى ، وأنتم تعقدون الإمامة ، وحكمكم جائز على الأمة ، فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع ، وقد أجلناكم يومكم ، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا ! فغشي الناس عليا فقالوا : نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى . فقال علي : دعوني والتمسوا غيري ، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول . فقالوا : ننشدك الله ! ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى الإسلام ؟ ألا ترى الفتنة ؟ ألا تخاف الله ؟ فقال : قد أجبتكم ، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم ، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه . ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد .

وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا : إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت ، فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة وقالوا : احذر لا تحابه ، ومعه نفر ، فجاءوا به يحدونه بالسيف ، فبايع ، وبعثوا إلى طلحة الأشتر ومعه نفر ، فأتى طلحة ، فقال : دعني أنظر ما يصنع الناس ، فلم يدعه ، فجاء به يتله تلا عنيفا ، وصعد المنبر فبايع . وكان الزبير يقول : جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت والسيف على عنقي ، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة ، وقد خشع أهل الكوفة والبصرة أن صاروا أتباعا لأهل مصر وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظا .

ولما أصبحوا يوم البيعة ، وهو يوم الجمعة ، حضر الناس المسجد ، وجاء علي فصعد المنبر وقال : أيها الناس ، عن ملإ وإذن ، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم ، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت كارها لأمركم ، فأبيتم إلا أن أكون عليكم ، ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي ، وليس لي أن آخذ درهما دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد . فقالوا : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس . [ ص: 557 ] فقال : اللهم اشهد . ولما جاءوا بطلحة ليبايع قال : إنما أبايع كرها . فبايع ، وكان به شلل ، فقال رجل يعتاف : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أول يد بايعت يد شلاء ، لا يتم هذا الأمر ! ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع ، وفي الزبير اختلاف ، ثم جيء بعده بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا : نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد والعزيز والذليل ، فبايعهم ، ثم قام العامة فبايعوا ، وصار الأمر أمر أهل المدينة وكأنهم كما كانوا فيه وتفرقوا إلى منازلهم .

وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة ، والناس يحسبون بيعته من [ يوم ] قتل عثمان .

وأول خطبة خطبها علي حين استخلف حمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله أنزل كتابا هاديا يبين فيه الخير والشر ، فخذوا بالخير ودعوا الشر ، الفرائض الفرائض أدوها إلى الله تعالى يؤدكم إلى الجنة . إن الله حرم حرمات غير مجهولة ، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها ، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين ، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ، لا يحل دم امرئ مسلم إلا بما يجب . بادروا أمر العامة ، وخاصة أحدكم الموت ، فإن الناس أمامكم وإن ما [ من ] خلفكم الساعة تحدوكم . تخففوا تلحقوا ، فإنما ينتظر الناس أخراهم . اتقوا الله عباد الله في بلاده وعباده ، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم . أطيعوا الله فلا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير فخذوا به ، وإذا رأيتم الشر فدعوه ، ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) ولما فرغ من الخطبة وهو على المنبر قالت السبئية :


خذها إليك واحذرن أبا حسن إنا نمر الأمر إمرار الرسن     صولة أقوام كأشداد السفن
بمشرفيات كغدران اللبن     ونطعن الملك بلين كالشطن
حتى يمرن على غير عنن



فقال علي :


إني عجزت عجزة لا أعتذر     سوف أكيس بعدها وأستمر


[ ص: 558 ] إن لم يشاغبني العجول المنتصر     إن تتركوني والسلاح يبتدر



ورجع علي إلى بيته ، فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة فقالوا : يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود ، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم . فقال : يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلاطكم يسومونكم ما شاءوا ، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون ؟ قالوا : لا . قال : فلا والله لا أرى إلا رأيا ترونه أبدا إلا أن يشاء الله . إن هذا الأمر أمر جاهلية ، وإن لهؤلاء القوم مادة ، وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط ، فيبرح الأرض [ من ] أخذ بها أبدا . إن الناس من هذا الأمر إن حرك على أمور : فرقة ترى ما ترون ، وفرقة ترى ما لا ترون ، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا ، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق ، فاهدأوا عني ، وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا . واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها ، وإنما هيجه على ذلك هرب بني أمية وتفرق القوم ، فبعضهم يقول ما قال علي ، وبعضهم يقول : نقضي الذي علينا ولا نؤخره ، والله إن عليا لمستغن برأيه وليكونن أشد على قريش من غيره .

فسمع ذلك فخطبهم وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم ، وأنه ليس له من سلطانهم ( إلا ذاك ) والأجر من الله عليه ، ونادى : برئت الذمة من عبد لا يرجع إلى مولاه . فتذامرت السبيئة والأعراب وقالوا : لنا غدا مثلها ولا نستطيع نحتج فيهم بشيء . وقال : أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب فليلحقوا بمياههم ، فأبت السبيئة وأطاعهم الأعراب . فدخل علي بيته ، ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : دونكم ثأركم فاقتلوه . فقال : ( عشوا عن ذلك ) . فقال : هم والله بعد اليوم أعشى ! وقال :


ولو أن قومي طاوعتني سراتهم     أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا



وقال طلحة : دعني آت البصرة فلا يفجأك إلا وإنا في خيل . وقال الزبير : دعني آت الكوفة فلا يفجأك إلا وأنا في خيل . فقال : حتى أنظر في ذلك .

[ ص: 559 ] قيل : وقال ابن عباس : أتيت عليا بعد قتل عثمان عند عودي من مكة فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به ، فخرج من عنده ، فقلت له : ما قال لك هذا ؟ فقال : قال لي قبل مرته هذه : إن لك حق الطاعة والنصيحة ، وأنت بقية الناس ، وإن الرأي اليوم تحرز به ما في غد ، وإن الضياع اليوم يضيع به ما في غد ، أقرر معاوية وابن عامر وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس ، ثم اعزل من شئت ، فأبيت عليه ذلك وقلت : لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في أمري . قال : فإن كنت أبيت علي فانزع من شئت واترك معاوية ، فإن في معاوية جرأة ، وهو في أهل الشام يستمع منه ، ولك حجة في إثباته ، كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام . فقلت : لا والله لا أستعمل معاوية يومين ! ثم انصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنه يود أني مخطئ ، ثم عاد إلي الآن فقال : إني أشرت عليك أول مرة بالذي أشرت وخالفتني فيه ، ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت فتعزلهم وتستعين بمن تثق به ، فقد كفى الله وهم أهون شوكة مما كان . قال ابن عباس : فقلت لعلي : أما المرة الأولى فقد نصحك ، وأما المرة الثانية فقد غشك . قال : ولم نصحني ؟ قلت : لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تثبتهم لا يبالوا من ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا : أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا ، ويؤلبون عليك ، فتنتقض عليك الشام وأهل العراق ، مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا عليك ، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية ، فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله ، وقال علي : والله لا أعطيه إلا السيف ! ثم تمثل :


وما ميتة إن متها غير عاجز     بعار إذا ما غالت النفس غولها



فقلت : يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست صاحب رأي في الحرب ، أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الحرب خدعة ؟ فقال : بلى : فقلت : أما والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد ، ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا إثم لك . فقال : يا ابن عباس لست من هناتك ولا من هنات معاوية في شيء . قال ابن عباس : فقلت له : أطعني والحق بمالك بينبع وأغلق بابك عليك ، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك ، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدا . فأبى علي فقال : تشير علي وأرى فإذا [ ص: 560 ] عصيتك فأطعني . قال : فقلت : أفعل ، إن أيسر ما لك عندي الطاعة . فقال له علي : تسير إلى الشام فقد وليتكها . فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية رجل من بني أمية ، وهو ابن عم عثمان وعامله ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان ، وإن أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك ، وإن كل ما حمل عليك حمل علي ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده . فقال : لا والله ، لا كان هذا أبدا !

وكان المغيرة يقول : نصحته فلما لم يقبل غششته . وخرج فلحق بمكة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث