الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل [ بيع الربوي الرطب بجنسه من اليابس ] وأما اختلافهم في بيع الربوي الرطب بجنسه من اليابس مع وجود التماثل في القدر والتناجز ، فإن السبب في ذلك ما روى مالك ، عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن شراء التمر بالرطب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أينقص الرطب إذا جف ؟ " فقالوا : نعم . فنهى عن ذلك " ، فأخذ به أكثر العلماء وقال : لا يجوز بيع التمر بالرطب على حال مالك ، والشافعي ، وغيرهما . وقال أبو حنيفة : يجوز ذلك ، وخالفه في ذلك صاحباه محمد بن الحسن ، وأبو يوسف . وقال الطحاوي بقول أبي حنيفة . وسبب الخلاف معارضة ظاهر حديث عبادة وغيره له ، واختلافهم في تصحيحه ، وذلك أن حديث عبادة اشترط في الجواز فقط المماثلة ، والمساواة ، وهذا يقتضي بظاهره حال العقد لا حال المآل; فمن غلب ظواهر أحاديث الربويات رد هذا الحديث; ومن جعل هذا الحديث أصلا بنفسه قال : هو أمر زائد ومفسر لأحاديث الربويات .

والحديث أيضا اختلف الناس في تصحيحه ، ولم يخرجه الشيخان . قال الطحاوي : خولف فيه عبد الله ، فرواه يحيى بن كثير عنه " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة " ، وقال : إن الذي يروي عنه هذا الحديث عن سعد بن أبي وقاص هو مجهول ، لكن جمهور الفقهاء صاروا إلى العمل به .

وقال مالك في موطئه قياسا به على تعليل الحكم في هذا الحديث ، وكذلك كل رطب بيابس من نوعه حرام ( يعني : منع المماثلة ) كالعجين بالدقيق ، واللحم اليابس بالرطب ، وهو أحد قسمي المزابنة عند مالك المنهي عنها عنده ، والعرية عنده مستثناة من هذا الأصل ، وكذلك عند الشافعي ، والمزابنة المنهي عنها عند أبي حنيفة هي بيع التمر على الأرض بالتمر في رءوس النخيل لموضع الجهل بالمقدار الذي بينهما ( أعني : بوجود التساوي ) .

وطرد الشافعي هذه العلة في الشيئين الرطبين ، فلم يجز بيع الرطب بالرطب ، ولا العجين بالعجين مع التماثل ، لأنه زعم أن التفاضل يوجد بينهما عند الجفاف . وخالفه في ذلك جل من قال بهذا الحديث .

[ ص: 508 ] وأما اختلافهم في بيع الجيد بالرديء في الأصناف الربوية ، فذلك يتصور بأن يباع منها صنف واحد وسط في الجودة بصنفين : أحدهما أجود من ذلك الصنف ، والآخر أردأ ، مثل أن يبيع مدين من تمر وسطا بمدين من تمر أحدهما أعلى من الوسط ، والآخر أدون منه ، فإن مالكا يرد هذا لأنه يهمه أن يكون إنما قصد أن يدفع مدين من الوسط في مد من الطيب ، فجعل معه الرديء ذريعة إلى تحليل ما لا يجب من ذلك ، ووافقه الشافعي في هذا ، ولكن التحريم عنده ليس هو فيما أحسب لهذه التهمة ، لأنه لا يعمل التهم ، ولكن يشبه أن يعتبر التفاضل في الصفة ، وذلك أنه متى لم تكن زيادة الطيب على الوسط مثل نقصان الرديء عن الوسط ، وإلا فليس هناك مساواة في الصفة .

ومن هذا الباب اختلافهم في جواز بيع صنف من الربويات بصنف مثله وعرض ، أو دنانير ، أو دراهم إذا كان الصنف الذي يجعل معه العرض أقل من ذلك الصنف المفرد ، أو يكون مع كل واحد منهما عرض والصنفان مختلفان في القدر ، فالأول مثل أن يبيع كيلين من التمر بكيل من التمر ودرهم ، والثاني مثل أن يبيع كيلين من التمر وثوبا بثلاثة أكيال من التمر ودرهم ، فقال مالك ، والشافعي ، والليث : إن ذلك لا يجوز ، وقال أبو حنيفة ، والكوفيون : إن ذلك جائز . فسبب الخلاف هل ما يقابل العرض من الجنس الربوي ينبغي أن يكون مساويا له في القيمة أو يكفي في ذلك رضا البائع ؟

فمن قال الاعتبار بمساواته في القيمة قال : لا يجوز لمكان الجهل بذلك ، لأنه إذا لم يكن العرض مساويا لفضل أحد الربويين على الثاني كان التفاضل ضرورة ، مثال ذلك : أنه إن باع كيلين من تمر بكيل وثوب فقد يجب أن تكون قيمة الثوب تساوي الكيل ، وإلا وقع التفاضل ضرورة . وأما أبو حنيفة فيكتفي في ذلك بأن يرضى به المتبايعان ، ومالك يعتبر أيضا في هذا سد الذريعة ، لأنه إنما جعل جاعل ذلك ذريعة إلى بيع الصنف الواحد متفاضلا فهذه مشهورات مسائلهم في هذا الجنس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث