الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 604 ] بسم الله الرحمن الرحيم .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

كتاب الشفعة .

والنظر في الشفعة أولا قسمين : القسم الأول : في تصحيح هذا الحكم ، وفي أركانه .

القسم الثاني : في أحكامه .

القسم الأول .

[ في تصحيح هذا الحكم ، وفي أركانه ] .

فأما وجوب الحكم بالشفعة : فالمسلمون متفقون عليه ، لما ورد في ذلك من الأحاديث الثابتة ، إلا ما يتأمل على من لا يرى بيع الشقص المشاع . [ قال في النهاية : . . . الشقص والشقيص : النصيب في العين المشتركة من كل شيء . دار الحديث ] ، وأركانها أربعة : الشافع ، والمشفوع عليه ، والمشفوع فيه ، وصفة الأخذ بالشفعة .

الركن الأول .

وهو الشافع .

ذهب مالك ، والشافعي ، وأهل المدينة إلى أن لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم . وقال أهل العراق : الشفعة مرتبة ، فأولى الناس بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم ، ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن شركة ، ثم الجار الملاصق . وقال أهل المدينة : لا شفعة للجار ولا للشريك المقاسم .

وعمدة أهل المدينة مرسل مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء ، فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة " ، وحديث جابر أيضا : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " خرجه مسلم ، والترمذي ، وأبو داود . وكان أحمد بن حنبل يقول : حديث معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أصح ما روي في الشفعة . وكان ابن معين يقول : مرسل مالك أحب إلي; إذ كان مالك إنما رواه عن ابن شهاب موقوفا ، وقد جعل قوم هذا الاختلاف على ابن شهاب في إسناده توهينا له ، وقد روي عن مالك في غير الموطإ عن ابن شهاب ، عن أبي هريرة ، ووجه استدلالهم من هذا الأثر ما ذكر فيه من أنه إذا وقعت الحدود فلا شفعة ، وذلك أنه إذا كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم ، فهي أحرى أن لا تكون واجبة للجار ، وأيضا فإن الشريك المقاسم هو جار إذا قاسم .

وعمدة أهل العراق : حديث رافع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الجار أحق بصقبه " ، وهو حديث متفق عليه . وخرج الترمذي ، وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " جار الدار أحق بدار الجار " ، وصححه الترمذي . ومن طريق المعنى لهم أيضا أنه لما كانت الشفعة إنما المقصود منها دفع الضرر الداخل من [ ص: 605 ] الشركة ، وكان هذا المعنى موجودا في الجار وجب أن يلحق به . ولأهل المدينة أن يقولوا : وجود الضرر في الشركة أعظم منه في الجوار . وبالجملة : فعمدة المالكية أن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا برضاه ، وأن من اشترى شيئا فلا يخرج من يده إلا برضاه حتى يدل الدليل على التخصيص ، وقد تعارضت الآثار في هذا الباب ، فوجب أن يرجح ما شهدت له الأصول ، ولكلا القولين سلف متقدم لأهل العراق من التابعين لأهل المدينة من الصحابة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث