الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ أحكام الكتابة ]

وأما الأحكام فكثيرة ، وكذلك الشروط التي تجوز فيها من التي لا تجوز . ويشبه أن تكون أجناس الأحكام الأولى في هذا العقد هو أن يقال : متى يعتق المكاتب ومتى يعجز فيرق ، وكيف حاله إن مات قبل أن يعتق أو يرق ، ومن يدخل معه في حال الكتابة ممن لا يدخل ، وتمييز ما بقي عليه من حجر الرق مما لم يبق عليه . فلنبدأ بذكر مسائل الأحكام المشهورة التي في جنس من هذه الأجناس الخمسة .

الجنس الأول

[ متى يعتق المكاتب ؟ ] فأما متى يخرج من الرق ؟ فإنهم اتفقوا على أنه يخرج من الرق إذا أدى جميع الكتابة ، واختلفوا إذا عجز عن البعض وقد أدى البعض ، فقال الجمهور : هو عبد ما بقي من كتابته شيء ، وأنه يرق إذا عجز عن البعض . وروي عن السلف المتقدم سوى هذا القول الذي عليه الجمهور أقوال أربعة :

أحدها : أن المكاتب يعتق بنفس الكتابة .

والثاني : أنه يعتق منه بقدر ما أدى .

والثالث : أنه يعتق إن أدى النصف فأكثر .

والرابع : إن أدى الثلث وإلا فهو عبد .

وعمدة الجمهور ما خرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد ، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة فهو عبد " .

[ ص: 704 ] وعمدة من رأى أنه يعتق بنفس عقد الكتابة تشبيهه إياه بالبيع ، فكأن المكاتب اشترى نفسه من سيده ، فإن عجز لم يكن له إلا أن يتبعه بالمال ، كما لو أفلس من اشتراه منه إلى أجل وقد مات .

وعمدة من رأى أنه يعتق منه بقدر ما أدى ما رواه يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية حر وبقدر ما رق منه دية عبد " خرجه النسائي ، والخلاف فيه من قبل عكرمة ، كما أن الخلاف في أحاديث عمرو بن شعيب من قبل أنه روي من صحيفة ، وبهذا القول قال علي ( أعني : بحديث ابن عباس ) . وروي عن عمر بن الخطاب أنه إذا أدى الشطر عتق . وكان ابن مسعود يقول : إذا أدى الثلث . وأقوال الصحابة وإن لم تكن حجة ، فالظاهر أن التقدير إذا صدر منهم أنه محمول على أن في ذلك سنة بلغتهم .

وفي المسألة قول خامس : إذا أدى الثلاثة الأرباع عتق ، وبقي عديما في باقي المال . وقد قيل إن أدى القيمة فهو غريم ، وهو قول عائشة ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت . والأشهر عن عمر وأم سلمة هو مثل قول الجمهور ، وقول هؤلاء هو الذي اعتمده فقهاء الأمصار ، وذلك أنه صحت الرواية في ذلك عنهم صحة لا شك فيها ، روى ذلك مالك في موطئه . وأيضا فهو أحوط لأموال السادات ; ولأن في المبيعات يرجع في عين المبيع له إذا أفلس المشتري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث