الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .

كتاب التدبير

والنظر في التدبير : في أركانه ، وفي أحكامه .

أما الأركان فهي أربعة : المعنى ، واللفظ ، والمدبر ، والمدبر .

[ ص: 711 ] وأما الأحكام فصنفان : أحكام العقد ، وأحكام المدبر .

[ أركان التدبير ]

الركن الأول فنقول : أجمع المسلمون على جواز التدبير ، وهو أن يقول السيد لعبده : أنت حر عن دبر مني ، أو يطلق فيقول : أنت مدبر ، وهذان هما عندهم لفظا التدبير باتفاق .

والناس في التدبير والوصية على صنفين : منهم من لم يفرق بينهما ، ومنهم من فرق بين التدبير والوصية بأن جعل التدبير لازما والوصية غير لازمة .

والذين فرقوا بينهما اختلفوا في مطلق لفظ الحرية بعد الموت هل يتضمن معنى الوصية ؟ أو حكم التدبير ؟ ( أعني : إذا قال : أنت حر بعد موتي ) ، فقال مالك : إذا قال وهو صحيح : أنت حر بعد موتي فالظاهر أنه وصية ، والقول قوله في ذلك ، ويجوز رجوعه فيها إلا أن يريد التدبير . وقال أبو حنيفة : الظاهر من هذا القول التدبير وليس له أن يرجع فيه ، وبقول مالك قال ابن القاسم ، وبقول أبي حنيفة قال أشهب قال : إلا أن يكون هنالك قرينة تدل على الوصية ، مثل أن يكون على سفر أو يكون مريضا ، وما أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها وصاياهم .

فعلى قول من لا يفرق بين الوصية والتدبير - وهو قول الشافعي ومن قال بقوله - هذا اللفظ هو من ألفاظ صريح التدبير . وأما على مذهب من يفرق فهو إما من كنايات التدبير ، وإما ليس من كناياته ولا من صريحه ، وذلك أن ما يحمله على الوصية فليس هو عنده من كناياته ولا من صريحه ، ومن يحمله على التدبير وينويه في الوصية فهو عنده من كناياته .

وأما المدبر فإنهم اتفقوا على أن الذي يقبل هذا العقد هو كل عبد صحيح العبودية ليس يعتق على سيده سواء ملك كله أو بعضه . واختلفوا في حكم من ملك بعضا فدبره :

فقال مالك : يجوز ذلك ، وللذي لم يدبر حظه خياران : أحدهما أن يتقاوماه ، فإن اشتراه الذي دبره كان مدبرا كله ، وإن لم يشتره انتقض التدبير ، والخيار الثاني أن يقومه عليه الشريك .

وقال أبو حنيفة : للشريك الذي لم يدبر ثلاث خيارات : إن شاء استمسك بحصته ، وإن شاء استسعى العبد في قيمة الحصة التي له فيه وإن شاء قومها على شريكه إن كان موسرا ، وإن كان معسرا استسعى العبد .

وقال الشافعي : يجوز التدبير ولا يلزم شيء من هذا كله ، ويبقى العبد المدبر نصفه أو ثلثه على ما هو عليه ، فإذا مات مدبره عتق منه ذلك الجزء ولم يقوم الجزء الباقي منه على السيد على ما يفعل في سنة العتق ; لأن المال قد صار لغيره وهم الورثة ، وهذه المسألة هي من الأحكام لا من الأركان ( أعني : أحكام المدبر ) ، فلتثبت في الأحكام .

وأما المدبر فاتفقوا على أن من شروطه أن يكون مالكا تام الملك غير محجور عليه سواء كان صحيحا أو مريضا ، وإن من شرطه أن لا يكون ممن أحاط الدين بماله ; لأنهم اتفقوا على أن الدين يبطل التدبير . واختلفوا في تدبير السفيه . فهذه هي أركان هذا الباب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث