الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 208 ] ( 43 ) ومن سورة حم الزخرف

وقال مجاهد: على أمة : على إمام. ( وقيله يا رب ): تفسيره: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، ولا نسمع قيلهم. وقال ابن عباس: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة : لولا أن جعل الناس كلهم كفارا لجعلت لبيوت الكفار ( سقفا من فضة ومعارج ) من فضة -وهي: درج- وسرر فضة. مقرنين : مطيقين آسفونا : أسخطونا. يعش : يعمى. وقال مجاهد: أفنضرب عنكم الذكر أي: تكذبون بالقرآن، ثم لا تعاقبون عليه. ومضى مثل الأولين : سنة الأولين. مقرنين يعني: الإبل والخيل والبغال والحمير. ( ينشأ في الحلية ): الجواري. جعلتموهن للرحمن ولدا فكيف تحكمون؟ لو شاء الرحمن ما عبدناهم : يعنون الأوثان، يقول الله تعالى: ما لهم بذلك من علم : الأوثان إنهم لا يعلمون في عقبه : ولده. ( مقترنين ): يمشون معا. سلفا : قوم فرعون سلفا لكفار أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. ومثلا : عبرة. يصدون : يضجون. مبرمون : مجمعون. أول العابدين : أول المؤمنين. إنني براء مما تعبدون : العرب تقول: نحن منك البراء والخلاء والواحد والاثنان والجميع من المذكر والمؤنث يقال فيه: براء ; لأنه مصدر ولو قال: بريء. لقيل في الاثنين: بريئان. وفي الجميع:

[ ص: 209 ] بريئون. وقرأ عبد الله إنني بري بالياء، والزخرف: الذهب. ملائكة يخلفون يخلف بعضهم بعضا.

التالي السابق


قال مقاتل : مكية غير آية واسأل من أرسلنا الآية، وأصل الزخرف: الذهب -كما نبه عليه ابن سيده - ثم سمى كل زينة زخرفا، وزخرف البيت: زينه وأكمله، وكل ما زوق وزين فقد زخرف.

( ص ) ( وقال مجاهد : على أمة : على إمام ) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح ، عنه. قلت: وقيل: ملة، والمعنى متقارب، لأنهم يتبعون الملة ويقتدون بها، وفي بعض النسخ هنا: ( قال قتادة : في أم الكتاب : جملة الكتاب، أصل الكتاب ).

( ص ) ( ( وقيله يا رب ) تفسيره: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، ولا نسمع قيله يا رب ) قلت: أنكر ذلك، وقال: إنما يصح أن لو كانت التلاوة: وقيلهم. وقيل: المعنى إلا من شهد بالحق، وقال: قيله يا رب، على الإنكار. وقيل: لا نسمع سرهم ونجواهم ونسمع قيله. ذكره الثعلبي ، وقال أولا: وقيله يا رب، يعني: وقول محمد شاكيا إلى ربه.

( ص ) ( وقال ابن عباس : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة : لولا أن يجعل الناس كلهم كفارا لجعلت لبيوت الكفار سقفا من فضة، ومعارج من فضة -وهي درج- وسرر فضة ) أثر ابن عباس هذا أخرجه ابن جرير ، عن أبي عاصم ، ثنا عيسى، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عنه.

[ ص: 210 ] ( ص ) ( مقرنين مطيقين ) ضابطين فارهين، وهو من القرن، كأنه أراد وما كنا له مقارنين في القوة، وقال بعد: وما كنا له مقرنين ، يعني: الخيل والإبل والبغال والحمير ). وقال بعده: ( وقال غيره- يعني: غير قتادة : مقرنين ضابطين، يقال: فلان مقرن لفلان: ضابط له ).

( ص ) ( آسفونا أسخطونا ) قلت: وقيل: أغضبونا. وقيل: خالفونا وكله متقارب.

( ص ) ( يعش : يعمى ) قراءة العامة بالضم، وقرأ ابن عباس بالفتح، أي: تظلم عينه، أو يضعف بصره.

( ص ) ( وقال مجاهد : أفنضرب عنكم الذكر صفحا أي: تكذبون بالقرآن، ثم لا تعاقبون عليه ) أخرجه ابن أبي حاتم بالسند السالف في ( أمة ).

( ص ) ( قال قتادة : وإنه لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد برحمته فكرره عليهم ) وهذا ثابت في بعض النسخ من غير عزو، وقال: ( مسرفين ): مشركين.

[ ص: 211 ] ( ص ) ( ومضى مثل الأولين : سنة الأولين ) أي: وعقوبتهم.

( ص ) ( ينشأ في الحلية ): الجواري، يقول: جعلتموهن للرحمن ولدا فكيف تحكمون؟ ) أي: تربى وتنبت وتكبر في الحلية : في الزينة، يعني: الجواري كما ذكره، والآية دالة على الرخصة للنساء في الحرير والذهب، والسنة واردة أيضا.

قال قتادة في هذه الآية: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تتكلم بالحجة عليها. ومجاز الآية: أومن ينشأ تجعلونه ربا أو بنات الله، تعالى عن ذلك.

( ص ) ( لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعنون: الأوثان، يقول الله تعالى: ما لهم بذلك من علم يعني: الأوثان إنهم لا يعلمون ) هو قول مجاهد، يعني: الأوثان، وقال قتادة وغيره: يعني: الملائكة. قالوا: وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتنا.

[ ص: 212 ] فرد الله عليهم وقال: ما لهم بذلك من علم فيما يقولون: إن هم إلا يخرصون : يكذبون. قيل: قوله: ما لهم بذلك من علم مردود إلى قوله: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا والمعنى: أن الله لم يرد عليهم قولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم وإنما المعنى: ما لهم بقولهم: ( الملائكة بنات الرحمن ) علم ; يوضحه أن بعده: أم آتيناهم كتابا من قبله أي: أنزلنا عليهم كتابا فيه هذا، وقيل: معنى ما لهم بذلك من علم أي: ما لهم عذر في هذا ; لظنهم أن ذلك عذر فرد الله ذلك عليهم، فالرد محمول على المعنى.

( ص ) ( في عقبه : في ولده ) يريد وولد ولده. قال ابن فارس : ويقال: بل كل الورثة كلهم عقب.

( ص ) [ مقترنين ( يمشون معا ) أي: متتابعين يقارن بعضهم بعضا.

( ص ) ( سلفا : قوم فرعون سلفا لكفار أمة محمد ) قلت: وكذا من مضى من غيرهم من الأمم، وقرئ بضم السين واللام وفتحهما.

( ص ) ( ومثلا : عبرة ) أي: ( للآخرين ): لمن يجيء بعدهم.

[ ص: 213 ] ( ص ) ( يصدون: يضجون ) يريد بكسر الصاد، ومن قرأ بالضم فالمعنى: يعرضون وقال الكسائي : هما لغتان بمعنى. وأنكر بعضهم الضم، وقال: لو كان مضموما لكان ( عنه )، ولم يكن: منه . وقيل: معنى منه : من أجله. فلا إنكار في الضم.

( ص ) ( مبرمون : مجمعون ) قلت: وقيل: محكمون. وهو نحوه.

( ص ) ( أول العابدين : أول المؤمنين ) أي: إن كان للرحمن ولد في ( قلوبكم ) فأنا أول من عبده وكذبكم.

وقال الحسن: يقول: ما كان له من ولد.

وقيل: هو من عبد، أي: أنف وغضب، وهو ما قاله البخاري بعد ( أول العابدين أي: ما كان فأنا أول الآنفين، وهما لغتان: عابد وعبد ).

قال: ( وقرأ عبد الله : ( وقال الرسول يا رب ). قال: ( ويقال: أول العابدين : الجاحدين، من عبد يعبد ).

وقوله: ( عابد وعبد ) كذا هو بكسر الباء من ( عبد ) بخط الدمياطي، وقال ابن التين: ضبط بفتحها، قال: وكذا هو في ضبط كتاب ابن فارس العبد الأنف، وكذا في "الصحاح": العبد، بالتحريك: الغضب، وعبد بالكسر، أي: أنف.

[ ص: 214 ] وأما ( عبد ) بمعنى: جحد، فهو بكسر الباء في أكثر النسخ وفتحها في مضارعه، وفي بعض الروايات: فتحها ماضيا وضمها مضارعا، وفي أخرى: وكسرها أيضا.

قال: ولم يذكر أهل اللغة عبد بمعنى: جحد. وذكر ابن عزير أن معنى العابدين والآنفين: الجاحدين.

( ص ) وقال غيره، أي: غير مجاهد .

( ص ) ( إنني براء مما تعبدون ) أي: ذو براء ( العرب تقول: نحن منك البراء والخلاء والواحد، والاثنان والجمع من المذكر والمؤنث يقال فيه: براء ; لأنه مصدر ) أي: وضع موضع النعت.

( ص ) ( ولو قال: بريء. لقيل في الاثنين: بريئان. وفي الجمع: بريئون. وقرأ عبد الله : ( إنني بريء ) بالياء )، أي: وكسر الراء.

( ص ) ( والزخرف: الذهب ) هذا قد أسلفته، وقيل: الباطل. وقيل: هو زينة الحياة الدنيا.

( ص ) ( ملائكة في الأرض يخلفون : يخلف بعضهم بعضا ) أي: كما يخلفكم أولادكم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث