الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اشتراط بعض العمل على العامل

. [ قال رحمه الله ] : وإذا دفع رجل نخلا له معاملة على أن يلقحه ; فما خرج منه فهو بينهما نصفان ، ولم يشترط صاحب النخل على العامل من السقي والحفظ والعمل شيئا غير التلقيح - نظرت فيه : فإن كان النخل يحتاج إلى الحفظ والسقي فالمعاملة فاسدة لأن العمل يستحق على العامل بالشرط ولا يستحق عليه إلا المشروط ، وإذا كان الثمن لا يحصل بالعمل المشروط عليه فما سواه من الأعمال يكون على رب النخل . ولو شرط عليه ذلك فسد العقد ; لأن موجب المعاملة التخلية بين العامل وبين النخيل ، فاشتراط بعض العمل على رب النخل بعدم التخلية يفسد به العقد ، فكذلك استحقاق ذلك عليه .

وإنما قلنا إن ذلك استحق عليه لأن المقصود هو على الشركة في الخارج ، فلا بد من إقامة العمل الذي به يحصل الخارج ، ولا يمكن إيجاب ذلك على العامل من غير شرط فيكون على رب النخل ذلك ليتمكن من تسليم نصيب العامل من الخارج إليه كما شرطه له ، فإن لقحه العامل فله أجر مثله فيما عمل وقيمة ما لقحه به ; لأنه صرف عين ماله ومنافعه إلى إصلاح ملك الغير بعقد فاسد فيستحق عليه أجر مثله بإزاء منافعه وقيمة ما لقحه به بإزاء العين الذي صرفه إلى ملك الغير ، فإن ابتغى العوض عن جميع ذلك ولم ينل حين كان الخارج كله لصاحب النخل فكان له أجر مثله وقيمة ما لقحه به ، وإن كان [ ص: 151 ] لا يحتاج إلى حفظ ولا إلى سقي ولا عمل غير التلقيح - فالمعاملة جائزة ; لأن العمل الذي يحصل به الخارج مستحق على العامل بالشرط ، وما وراء ذلك غير محتاج إليه فيكون مستحقا على رب النخل ما لا يحتاج إليه ، فذكره والسكوت عنه سواء . وإن كان لا يحتاج إلى سقي ولكن لو سقي كان أجود لثمرته إلا أن تركه لا يضره - فالمعاملة جائزة ; لأن المستحق بعقد المعاوضة صفة السلامة في العوض ، فأما صفة الجودة فلا تستحق بمطلق العقد ، فلا يكون على رب النخل شيء من العمل هنا .

وإن كان ترك السقي يضره ويفسد بعضه إلا أنه لا يفسد كله - فالمعاملة فاسدة ، لأن بمطلق المعاوضة يستحق صفة السلامة عن العيب وذلك لا يحصل بالعمل المشروط على العامل ; فلا بد من القول باستحقاق بعض العمل على رب النخل وهو ما تحصل به صفة السلامة ، وذلك مفسد للعقد وإن كان ترك اشتراط التلقيح عليه وقد اشترط ما سواه لم يجز ; لأن ترك التلقيح يضره على ما بينا أن النخيل إذا لم يلقح أحشف التمر ، فقد بقي بعض العمل على صاحب النخل وهو ما تحصل به صفة السلامة . وكذلك كل عمل لا يصلح النخل إلا به ولم يشترطه على العامل . ولو كان النخل نخلا لا يحتاج إلى التلقيح ، وكان بحيث يحصل ثمره بغير تلقيح إلا أن التلقيح أجود له - فالمعاملة جائزة ; لأن بمطلق العقد يستحق صفة السلامة لا صفة الجودة .

ولو دفع إليه النخل ملقحا واشترط عليه الحفظ والسقي جاز ; لأن التخلية بين النخل والعامل إنما تشترط بعد العقد وقد وجد ، بخلاف ما إذا دفع إليه غير ملقح ، واشتراط التلقيح على رب النخل فإن ذلك لا يجوز ; لأن التخلية تنعدم عقيب العقد وما يلقحه صاحب النخل ، والمعاملة تلزم بنفسها من الجانبين ، فاشتراط ما يفوت موجبها يفسد العقد ، وفي الأول التلقيح من رب النخل كان قبل العقد فما هو موجب العقد وهو التخلية بين العامل والنخل عقيب العقد موجود ، وإن اشترطا أن يلقحه صاحبه ثم يحفظه العامل ويسقيه لم يجز ; لأن العقد انعقد بينهما في الحال ، فالشرط مفوت موجب العقد ، وإن كان مضافا إلى ما بعد فراغ صاحب النخل من التلقيح - فذلك مجهول لا يدري يعجله صاحب النخل أو يؤخره ، والجهالة في ابتداء مدة المعاملة مفسدة للمعاملة إلا أن يشترط أن يلقحه في هذا الشهر صاحب النخل على أن يحفظه العامل ويسقيه من غرة الشهر الداخل - فيجوز ; لأن ابتداء مدة المعاملة هنا في غرة الشهر الداخل وهو معلوم ، والمعاملة عقد إجارة فتجوز إضافتها إلى وقت في المستقبل .

ولو دفعه إليه واشترط التلقيح والسقي على العامل والحفظ على رب النخل - لم يجز ; لأن هذا الشرط يعدم التخلية في [ ص: 152 ] جميع مدة المعاملة ، فالحفظ محتاج إليها الآن لدرك الثمار ; إلا أن يكون في موضع لا يحتاج إلى الحفظ فتجوز المعاملة والشرط باطل ; لأنه إنما يعتبر من الشروط ما يكون مفيدا ، فأما ما لا يفيد فالذكر والسكوت عنه سواء . ولو اشترط التلقيح والحفظ على العامل والسقي على رب النخل لم يجز أيضا ; لأن هذا الشرط يعدم التخلية ، فإن كان قد يصلح بغير سقي إلا أن السقي أفضل له لم يجز أيضا لأن صفة الجودة تستحق بالشرط ، فإذا كانت هذه تحصل بما شرط على رب النخل لم يكن بد من اعتباره ، وإن كان السقي لا يزيد فيه شيئا ولا يضره تركه فالمعاملة جائزة والشرط باطل ; لأنه ليس في هذا الشرط فائدة ، فذكره والسكوت عنه سواء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث