الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين

( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

قوله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا ، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان ، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة ; لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا ، فهذا هو الكلام في ترتيب النظم .

وفي الآية مسائل : [ ص: 11 ]

المسألة الأولى : قال القفال : الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض ، وهو مأخوذ من الائتمام .

المسألة الثانية : دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة ، ولكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل ، واختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق ، وهذا قول أكثر المحققين ، ويدل عليه وجوه :

الأول : ما ذكره القفال فقال : الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : ( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ، فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الاختلاف ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) [يونس : 19] ويتأكد أيضا بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) إلى قوله : ( ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) .

إذا عرفت هذا فنقول : الفاء في قوله : ( فبعث الله النبيين ) تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر ، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى ; لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقا وبعضهم مبطلا ، فلأن يبعثوا حينما كانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى ، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع .

وثانيها : أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة ، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه ، وبحسب قراءة ابن مسعود ، ثم قال : ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) والظاهر أن المراد من هذا الاختلاف هو الاختلاف الحاصل بعد ذلك الاتفاق المشار إليه بقوله : ( كان الناس أمة واحدة ) ، ثم حكم على هذا الاختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة ، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت بسبب البغي ، وهذا يدل على أن الاتفاق الذي كان حاصلا قبل حصول هذا الاختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل ، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق ، لا في الدين الباطل .

وثالثها : أن آدم عليه السلام لما بعثه الله رسولا إلى أولاده ، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى ، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين ، إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر ، والآية منطبقة عليه ; لأن الناس وهم آدم وأولاده من الذكور والإناث ، كانوا أمة واحدة على الحق ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، كما حكى الله عن ابني آدم ( إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ) [المائدة : 27] فلم يكن ذلك القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر ، والآية منطبقة عليه .

ورابعها : أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة ، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر ، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك ، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، ولم يثبت ألبتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل والكفر ، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدلائل .

وخامسها : وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر ، والنظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات ليتوصل [ ص: 12 ] بها إلى النتائج ، وتلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ، ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان ، فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات ، وكما أن المقدمات يجب انتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضا إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل ، وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج ، فأما إذا عرض له سبب خارجي ، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ ، وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضا ، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال : كان الناس أمة واحدة في الدين الحق ، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية وهي البغي والحسد ، فهذا دليل معقول ، ولفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه .

فإن قيل : فما المراد من قوله : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) [هود : 118] .

قلنا : المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم .

وسادسها : قوله عليه السلام : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة ، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية ، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد .

وسابعها : أن الله تعالى لما قال : ( ألست بربكم قالوا بلى ) [الأعراف : 172] فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق ، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب وجماعة من المفسرين ، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثا كثيرة ، ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه ، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول .

أما الوجه الثاني : هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل ، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس ، واحتجوا بالآية والخبر ، أما الآية فقوله : ( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) وهو لا يليق إلا بذلك ، وأما الخبر فما روي عن النبي عليه السلام : " إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب " .

وجوابه : ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده ; وذلك لأن عند الاختلاف لما وجبت البعثة . فلو كان الاتفاق السابق اتفاقا على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى ، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الاتفاق كان اتفاقا على الحق ، لا على الباطل ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفارا ، ثم سألوا أنفسهم سؤالا وقالوا : أليس فيهم من كان مسلما نحو هابيل وشيث وإدريس ؟ وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب ، ولا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير ، وقد يقال : دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون .

القول الثالث : وهو اختيار أبي مسلم والقاضي : أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية ، وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته ، والاشتغال بخدمته وشكر نعمته ، والاجتناب عن القبائح العقلية ، [ ص: 13 ] كالظلم ، والكذب ، والجهل ، والعبث وأمثالها .

واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والاستغراق ، وحرف الفاء يفيد التراخي ، فقوله : ( فبعث الله النبيين ) يفيد أن بعثة جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة ، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لا بد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء ، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل ، وذلك ما بيناه ، وأيضا فالعلم بحسن شكر المنعم ، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق والعدل ، مشترك فيه بين الكل ، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه بين الكل ، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك ، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة ، ثم سأل نفسه فقال : أليس أول الناس آدم عليه السلام وأنه كان نبيا ، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل ؟ وأجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولا ، ثم إن الله تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده ، ويحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرسا ، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية ، واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه ، والكلام فيه مشهور في الأصول .

القول الرابع : أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة ، وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر ، فهو موقوف على الدليل .

القول الخامس : أن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام ; وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله : ( ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) [البقرة : 208] وذكرنا أن كثيرا من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود ، فقوله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة ) أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة ، على دين واحد ، ومذهب واحد ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، فبعث الله النبيين ، وهم الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام ، وأنزل معهم الكتاب ، كما بعث الزبور إلى داود ، والتوراة إلى موسى ، والإنجيل إلى عيسى ، والفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها ، وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها ، وليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله : ( كان الناس ) بقوم معينين خلاف الظاهر ، إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضا للعهد ، فهذا ما يتعلق بهذه الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث