الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم

الحكم الثاني فيما يتعلق بالقتال :

( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )

قوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة ، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد . واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل . وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ، ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط .

حجة الأولين أن قوله : ( كتب ) يقتضي الوجوب وقوله : ( عليكم ) يقتضيه أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله : ( عليكم ) لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك ، كما في قوله : ( كتب عليكم القصاص ) [البقرة : 178] ، ( كتب عليكم الصيام ) [البقرة : 183] .

فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية .

قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان ; لأن قوله : ( عليكم ) أي : على كل واحد من آحادكم كما في قوله : ( كتب عليكم القصاص ) ( كتب عليكم الصيام ) حجة عطاء أن قوله : ( كتب ) يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة ، وقوله : ( عليكم ) يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت ، إلا أنا قلنا : إن قوله : ( كتب عليكم القصاص ) [البقرة : 178] ( كتب عليكم الصيام ) [البقرة : 183] حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة ، وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا ، فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : ( وكلا وعد الله الحسنى ) [الحديد : 10] ولو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتا ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) [التوبة : 122] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل ، والله أعلم . [ ص: 24 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث