الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
153 \ 129 - سمعت محمد بن المثنى ، قال : نا عثمان بن عمر - قال : وقرأه علي من كتابه - قال : نا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، قال : سمعت عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله مما قالوا ، وكل حدثني طائفة من الحديث الذي حدثني هؤلاء عن عائشة ، وبعضهم يصدق بعضا ، وإن كان بعضهم أوعى من بعض ، فزعموا : أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الله الحجاب ، فأنا أنزل وأحمل في هودجي ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل فدنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حتى جاز الجيش ، فلما نقيت أقبلت إلى رحلي وإذا عقد لي [ ص: 172 ] من جزع أظفار - أو : جزع ، شك أبو محمد - قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه . وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه ، والنساء إذ ذاك خفاف لم يحملن اللحم ، إنما نأكل العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج ، وكنت جارية حديثة السن ، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داعي ولا مجيب ، وظننت أنهم سيفتقدوني فيرجعون إلي ، فبينما أنا جالسة في مجلسي إذ غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطل السلمي فيمن يكون وراء الجيش ، فرأى سوادا ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وكان قد رآني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حيث عرفني ، والله ما سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته فوطئ على عنقها فركبتها ، فأخذ برأس الراحلة يقودني حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا ، فهلك من هلك . ثم قدمت المدينة واشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في وأنا لا أشعر بشيء من ذاك ، وهو يريبني في وجعي لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كنت أرى قبل ، إنما يدخل علي فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ " . ولا [ ص: 173 ] أشعر بشيء حتى خرجت بعدما نقهت ، وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع لا نخرج إلا ليلا ، وذلك قبل أن تتخذ الكنف ، وأمرنا أمر العرب الأول ، قال : فانطلقت أناوأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وابنها مسطح بن أثاثة - فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح . فقلت : بئس ما تقولين !! تسبين رجلا شهد بدرا ؟! قالت : يا هنتاه ، أولم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما ذاك ؟ . قالت : فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف تيكم ؟ ، فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ وأنا حينئذ أريد أن ألتمس الخبر من قبلهما ، قالت : فأذن لي ، فجئت أبوي ، فقلت لأمي : يا هنتاه ، ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها .

فقلت : سبحان الله ، وقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأصبحت أبكي .

ودعا رسول الله علي وأسامة - قلت : يستشيرهما في شأن أهله - قالت : فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم في نفسه لهم ، فقال : يا رسول الله ، أهلك ولا نعلم إلا خيرا .

وأما علي فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك . قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال لها : أي [ ص: 174 ] بريرة هل رأيت من ريبة - أو : من شيء ؟ " . أو : كلمة نحوها - فقالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه - أو : كلمة غيرها ، شك أبو محمد - عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينة أهلها فتأتي الداجن فتأكله .

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يومئذ فاستعذر من عبد الله بن أبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ؟ فوالله ما علمت من أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " .

فقام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فأمضينا أمرك .

قالت فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج يومئذ ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ولكنه حملته الحمية - فقال : كذبت لعمر الله ، لا تقتله لعمر الله ولا تقدر على قتله .

فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين . فتثاور [ ص: 175 ] الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا - أو سكتوا .

قالت : فبكيت يومي ذاك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتي لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظنان أن البكاء فالق كبدي . قالت : فهما جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي ، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم وجلس - قالت : فلم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه - قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه .

قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطره ، فقلت لأبي : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال . قال : ما أدري والله ما أقول لرسول الله . فقلت لأمي :أجيبي رسول الله بما قال . فقالت : ما أدري ما أجيب رسول الله . وكنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن . فقلت : والله لئن قلت إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت بذنب والله يعلم أني بريئة لتصدقني ، وإني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ، قالت : وأنا أعلم حينئذ أني منه بريئة والله تبارك وتعالى سيبرئني ببرائتي ، ولكن ما كنت والله أظن أن الله [ ص: 176 ] تبارك وتعالى ينزل في شأني وحيا يتلى ، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها .

قالت : فوالله ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي نزل عليه ، فلما سري عنه ، سري عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها فقال : أما إن الله قد أنزل براءتك " . فقالت أمي : قومي إلى رسول الله ، فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله .

قالت : فأنزل الله عز وجل إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم العشر الآيات كلها . قالت : فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره : والله لا أنفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة . فأنزل الله عز وجل : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ... إلى قوله : أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكر : بلى ، والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه . وقال : والله لا أنزعها عنه .

قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار زينب بنت جحش في أمري ، فقالت : يا رسول الله ، أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا .

قالت : فعصمها الله بالورع ، وأما أختها فهلكت فيمن هلك
.

[ ص: 177 ] قال الزهري : فهذا ما انتهى إلينا من خبر هؤلاء الرهط الذين حدثوني عن عائشة .

التالي السابق


الخدمات العلمية