الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                51 - الفعل يتم بفاعله مرة وبمحله أخرى . [ ص: 167 ] قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه ، فشرط حنثه كون الفاعل فيه . [ ص: 168 ]

                وإن ضربته أو جرحته أو قتلته ورميته ; كون المحل فيه

                التالي السابق


                ( 51 ) قوله : الفعل يتم بفاعله مرة وبمحله أخرى . اعلم أن الشرط متى كان مقيدا [ ص: 167 ] بزمان أو مكان وهو يستدعي مفعولا فلا يخلو : إما أن يكون ذلك الشرط قولا أو فعلا فإن كان قولا فالمعتبر وجود الفاعل في ذلك المكان والزمان ولا يفتقر إلى وجود المفعول وهو المعبر عنه بالمحل في كلام المصنف رحمه الله ; لأن القول يتم بالفاعل وحده وإن كان فعلا فلا يخلو إما أن يتم بالفاعل وحده بأن لا يكون له أثر في المحل أو لا يتم بأن يكون له أثر في المحل .

                ففي الأول يكتفى بوجود الفاعل وحده في ذلك المكان أو الزمان كما تقدم في القول وفي الثاني يعتبر وجود المحل وهو المفعول خاصة ، وتحقيق ذلك أن الفاعل والمفعول لا بد بينهما من علاقة بها يسمى الفاعل فاعلا والمفعول مفعولا وهو الفعل الصادر من الفاعل الواقع على المفعول ، ثم ينظر فإن سمي مفعولا بمجرد ذلك الفعل من غير تأثير فيه فالعلاقة نفس الفعل فيكتفى بوجود الفاعل ، وإن لم يسم مفعولا إلا بأثر ذلك فالعلاقة نفس الفعل مع أثره ، فلا بد من وجود من قام به ذلك الأثر .

                فإن قيل : فهلا اعتبرت وجودهما جميعا باعتبار أن الفعل المؤثر إن لم يتم بالفاعل وحده كذا لا يتم بالمفعول وحده ، فوجب أن يشترط وجودهما . قلنا سلمنا التعارض ورجحنا المفعول الذي هو المحل القائم بالأثر ; لأن الأثر هو المقصود الذاتي وذلك لأن الذي ينفى باليمين هو أثر الفعل لا ذاته ; لأن فساده وقبحه باعتبار أثره لا باعتبار ذاته ، ولهذا يسمى الفعل باعتبار أثره فإنه لو رمى بحجر فأصاب قارورة سمي كسرا ولو أصاب إنسانا ومات سمي قتلا ولو لم يمت سمي جرحا أو شجا أو ضربا فلهذا رجحنا من قام بالمقصود . وكذا في شرح تلخيص الجامع الكبير للفخر المارديني .

                ( 52 ) قوله : قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه إلخ يعني إذا قال الرجل إن شتمتك في المسجد فعبدي حر ، فشتمه وهو في المسجد والمشتوم خارجه يحنث وبالعكس لا ، لوجهين أحدهما أن الشتم يتم بالشاتم وحده إذ هو من قبيل الأقوال ولهذا يشتم الغائب والميت ، والثاني أن الغرض من هذا اليمين تنزيه المسجد عن الفحش وذلك يتحقق بكونه فيه فكان من تمام شرط الحنث . وكذا لو قال : إن رميت إليه في المسجد ; لأن الرمي المقرون بإلى لا يشترط فيه الإصابة فكان بمنزلة الشتم ، [ ص: 168 ] والجامع عدم الأثر بالمحل . وبهذا التقرير يظهر ما في قول المصنف رحمه الله فشرط حنثه كون الفاعل فيه من التساهل فإن شرط الحنث الشتم والرمي وكون الفاعل فيه تمام الشرط .

                ( 53 ) قوله : وإن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته كون المحل فيه . أي شرط حنثه كون المحلوف عليه في المسجد والحالف خارجه ، لو كان بالعكس لا يحنث لوجهين : أحدهما أن هذه الأفاعيل لا تتم إلا بالمفعول وأنه هو القائم بالأثر الذي هو المقصود ، والثاني أن المقصود من اليمين تنزيه المسجد من التلويث وهذا يتحقق بالمفعول ولهذا يقال : من ذبح شاة في المسجد ، وهو خارج عنه ، لا تذبح في المسجد وجعل الطحاوي قوله رميته بمنزلة شتمته وقال لأن الرمي يتم به ولا أثر له في المحل ، ألا ترى أنه يصح أن يقال رماه فأخطأ ولا يصح أن يقال ضربه فأخطأه ، والصحيح أنه نظير القتل والضرب ; لأنه جعل مفعول فعله بذكر ضميره ، ولا يتحقق ذلك إلا بالإصابة وأما ما ذكره فإنه يستقيم في رميت إليه ، أما رميته فلم أصبه فخطأ . وبهذا التقرير الناشئ عن كمال التحرير سقط ما قيل .

                قد يقال قوله في المسجد ظرف للفعل في الفصلين معا والفعل متعد إلى مفعول فيهما معا فما وجه اشتراط كون الفاعل في المسجد في الأول واشتراط كون المفعول فيه في الثاني ؟ وهل هذا إلا تحكم ، نعم إذا اعتبر قصدا لمتكلم وجعل الحكم باعتبار قصده لكان له وجه وجيه ولعله مراد المصنف رحمه الله تعالى وأطلق في محل التقييد




                الخدمات العلمية