الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          269 - فصل

                          [ كل من طعن في ديننا فهو من أئمة الكفر ] .

                          وفي الآية دليل من وجه آخر وهو قوله تعالى : ( فقاتلوا أئمة الكفر ) وهم الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ديننا ، ولكن أقام الظاهر مقام المضمر بينهما على الوصف الذي استحقوا به المقاتلة كقوله : ( والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ) ونظائره ، فدل على أن من نكث يمينه وطعن [ ص: 1386 ] في ديننا فهو من أئمة الكفر ، وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه .

                          وإنما صار إماما في الكفر لأجل الطعن ، وإلا فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك وهذا ظاهر ، فإن الطاعن في الدين يعيبه ويذمه ويدعو إلى خلافه ، وهذا شأن الإمام ، فإذا طعن الذمي في الدين كان إماما في الكفر فيجب قتاله .

                          وقوله : ( إنهم لا أيمان لهم ) علة أخرى لقتاله ، فأما على قراءة الكسر فتكون الآية قد تضمنت ذكر المقتضي للقتال - وهو نكث العهد والطعن في الدين - وبيان عدم المانع من القتال وهو الإيمان العاصم .

                          وأما على قراءة فتح الألف فالأيمان جمع يمين ، وهي أحسن القراءتين ؛ لأنه قد تقدم في أول الآية قوله : ( وإن نكثوا أيمانهم ) فأخبر سبحانه عن سبب القتال - وهو نكث الأيمان والطعن في الدين - ثم أخبر أنه لا أيمان لهم تعصمهم من القتل لأنهم قد نكثوها .

                          والمراد بالأيمان هنا العهود لا القسم بالله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاسمهم بالله عام الحديبية وإنما عاهدهم ، ونسخة الكتاب محفوظة ليس فيها قسم ، وهذا لأن كلا من المتعاهدين يمد يمينه إلى الآخر ، ثم صار مجرد الكلام بالعهد يسمى يمينا ، وإن لم يحصل فيه مد اليمين .

                          وقد قيل : سمي العهد يمينا ؛ لأن اليمين هي القوة والشدة ، كما قال تعالى : ( لأخذنا منه باليمين ) ولما كان الحلف معقودا مشدودا سمي [ ص: 1387 ] يمينا ، فاسم اليمين جامع للعهد الذي بين العبد وبين ربه وإن كان نذرا ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " النذر حلفة " وللعهد الذي بين المخلوقين ، ومنه قوله تعالى : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) فالنهي عن [ نقض ] العهود وإن لم يكن فيها قسم ، وقال تعالى : ( ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) وإن لم يكن هناك قسم ، ومنه قوله تعالى : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) [ ص: 1388 ] معناه : تتعاهدون وتتعاقدون به ، والمقصود أن كل من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدا يقتضي ألا يفعل ذلك ، فهو إمام في الكفر لا يمين له فيجب قتله بنص الآية ، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمام في الكفر ، وهو من خالف بفعل شيء مما صولح عليه .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية