الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 301 ] الحديث الرابع:

                                823 861 - حديث ابن عباس: أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد.

                                التالي السابق


                                قد سبق هذا الحديث في " باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه " من طريق مالك ، خرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وخرجه هنا عن عبد الله بن مسلمة - هو: القعنبي - عن مالك .

                                والمراد بتخريجه هاهنا: الاستدلال على صحة صلاة الصبي، وأنه يدخل في صف الرجال ويقف معهم.

                                وقد استدل بهذا مالك على أن الأفضل أن يجعل في الصف بين كل رجلين صبيا؛ ليتعلم أدب الصلاة وخشوعها.

                                وهو أحد الوجهين للشافعية.

                                والثاني لهم: يقف الصبيان إذا كثروا صفا خلف الرجال.

                                وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة .

                                واستدلوا لذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " ليلني أولو الأحلام منكم والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ".

                                خرجه مسلم .

                                [ ص: 302 ] وبما روى شهر بن حوشب ، حدثنا عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه، فقال: اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم، وأراهم كيف يتوضأ، فأحصى الوضوء أماكنه، حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن، وصف الرجال في أدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة، فتقدم فصلى - وذكر قصة الصلاة، ثم قال: إنها صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

                                خرجه الإمام أحمد بتمامه، وخرجه أبو داود مختصرا.

                                ولو قام الصبي في وسط الصف، ثم جاء رجل، فله أن يؤخره ويقوم مقامه، نص عليه، وفعله أبي بن كعب بقيس بن عباد ، وروي نحوه عن عمر - أيضا - فهذا قول الثوري وأحمد ، وقد سبق ذكره في " أبواب الصفوف ".

                                ولو كان الصبي في آخر الصف، فقام رجل خلفه في الصف الثاني، فقال أحمد : لا بأس به، هو متصل بالصف.

                                وحمله القاضي على أن الصف إذا كان فيه خلل، فوقف رجل لم يبطل اتصاله؛ لأن الصبي لا يصاف في الفرض، على المنصوص لأحمد .

                                ومن أصحابنا من قال: لا يصاف في الفرض ولا في النفل، ولو قلنا: تصح إمامته في النفل.

                                وهذه طريقة أبي الخطاب ، أنه تصح مصافته في الفرض والنفل، وهو قول الأوزاعي وإسحاق ؛ لأنه محكوم بصحة صلاته، وإن لم تصح إمامته للرجال.

                                [ ص: 303 ] وكذا قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي ، لكنه يجيز إمامته للرجال ومصافته أولى.

                                وكل هؤلاء يقولون فيمن أم رجلا وصبيا: إنهما يقفان خلفه، وعند أحمد : يقفان عن يمينه، أو يقف بينهما، وعليه حمل وقوف ابن مسعود بين علقمة والأسود ، وقال: كان الأسود غلاما.

                                وحديث ابن عباس الذي خرجه البخاري في هذا الباب يدل على أن دخول الصبي المميز في صف الرجال في الصلاة المفروضة هو السنة. والله أعلم.



                                الخدمات العلمية