الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أطلق زوجتي لترضى أمي أم أصبر؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله

باختصار شديد: أنا إنسان حصلت له ظروف عائلية من مدة طويلة، -ولله الحمد والمنة- كنت أتخطاها بحكمة وأتعلم منها، لكن منذ شعبان الماضي إلى الآن حصلت لي مشكلة عائلية كبيرة وتفاصيلها طويلة لا تحتملها استشارة واحدة، وحصل لي الكثير بسببها، أذكر أهمها:

- خسارة عملي.
- طلقت زوجتي الطلاق الأول الرجعي.
- مشاكل مع بعض إخوتي لتصديقهم أختي وتكذيبي، وجحد ما قمت به من بر لوالدي.
- مشاكل صحية ونفسية لحرماني من رؤية بناتي الثلاث، مما جعلني أراجع استشارياً نفسياً وآخذ العلاج.

والداي كانا من أقرب الناس لي ولزوجتي، ودائماً أبرهم وأسكنهم عندي لسنين طويلة، ولكن تدخل إحدى أخواتي قلب الحب كرهاً في يوم واحد، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

في البداية كنت أظن أنه هناك تراكمات، وعمل خفي لا أعلم به أدى إلى انقلاب الحب إلى الكره، ثم تيقنت أنها مشاكل صغيرة بين الزوجة والأخت، أصبحت كالجبل وأنا لا أعلم بها.

بالطلاق زاد الشرخ بيني وبين عائلة زوجتي لدرجة التحدي، ومنعي من رؤية أطفالي، وزيادة الإشاعات عني، وأثناء الطلاق أنا وزوجتي (بالصدفة) كنا نأخذ الاستشارات من مراكز التنمية الأسرية والناس الثقات، -والحمد لله- رجعت زوجتي قبل انتهاء العدّة، وتم الاتفاق على الشروط، ولكن بسبب خسارتي لعملي اضطررت للخروج من فيلا إيجار جميلة إلى شقة صغيرة ميسورة الحال.

الآن هناك عناد وتعنت من العائلتين لأننا رجعنا لبعض، وسكنا في شقة، وهناك غضب كبير من أخيها (ولي أمرها) لرجوعها لي، ولكننا لا نأبه بغضبه -كما أشير علينا من مركز التنمية الأسرية-، فأنا زوجها، وليس له أي سلطة عليها، وهي راضية تمام الرضا بالرجوع، وبالنسبة لبقية الإخوة اعتذروا عن منعهم لزيارتي لبناتي، وأصبحنا عائلة واحدة من جديد.

المشكلة التي أبحث لها عن حل:

- استمرار تحريض بعض إخوتي لأمي على زوجتي.
- أمي تخيرني بين غضبها، وقطع العلاقة أو الطلاق، وترك الزوجة والبنات.
- وصل الأمر أن أمي دعت على بالموت أنا وبناتي وزوجتي.
- تدخل بعض الأشخاص الطيبين لكن بجهل، وتذكيرها بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة عن بر الوالدين، (مثل قصة فرعون وبره لأمه)، مما يزيد من قوتها بنفسها، وضمان أن الحق معها.
- وقوف الإخوة والأب موقف المتفرج، ومنهم من يريدني أن أطلق زوجتي.

زرتها، واتصلت بها، ونمت عندها، وذكرتها أنني لا أطيق البعد عن بناتي، سألتها عن زوجتي، هل فيها ما يغضب الله -لا سمح الله-؟ ما هو السبب القوي الذي يجعلني أطلقها وأترك بناتي؟ وحلفت لها بالقرآن، ولكن لا جدوى، ولا جواب، ولا سبب.

سؤالي: هل أطلق زوجتي لكي أرضي أمي وإخوتي وبعض الناس الذين يفهمون القصة من طرف واحد، وأنا في نظرهم عاق، فإن اتصلت بها لا ترد علي، وإن كلمتها دعت علي، وتنتظر مني تنفيذ رغبتها بطلاق زوجتي، هل أبقي العلاقة مقطوعة هكذا؟

لا أجد من الاستشاريين سوى كلمة اصبر، ولا أعرف كيف أتصرف مع والدتي، فهي في موقف القوة لأنها الأم، أشيروا علي بنصحكم وتوجيهكم.

جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فرّج الله همك ويسّر أمرك، وكفاك شر من أساء إليك، وهداهم وأصلحهم، وجمع شملك مع زوجتك وأهلك على خير ومودة ورحمة، بفضله ورحمته وكرمه -سبحانه وتعالى-.

لا يخفى عليك -حيث يبدو من لغة رسالتك تحليك بحسن الدين والخلق والثقافة- أن الحياة دار ابتلاء وامتحان، وأن الله إذا أحب عبده ابتلاه، وفضل الصبر على البلاء، والشكر للنعماء والإيمان بالقدر والرضا بالقضاء.

احرص -أخي العزيز- على لزوم الصبر، واحتساب الثواب عليه والأجر، وإدراك أنه مفتاح الفرج والنصر، وقد صح في الحديث: (أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً)، مصداقاً لقوله تعالى: (فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً)، وقال -جل شأنه-: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط).

لا تيأس من محاولة إقناع والدتك وإخوتك، ولو بالاستعانة ممن تأنس منهم التأثير عليها والقبول لديها، من أهل العلم والفضل إن أمكن، وإلا فمن الأهل والأقارب ممن يتصفون بالحكمة والمروءة, فلا يخفى عليك كيف جمع الله شمل نبيه يوسف -عليه السلام- مع إخوته ووالديه (عسى الله أن يأتي بهم جميعاً) (إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)، وكيف نصر ومكّن لنبيّه محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد طول عداوة من قومه وقرابته

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ** على النفس من وقع الحسام المهند

احذر أن تؤثر هذه المشكلات في صحتك النفسية سلباً؛ بالحرص على تنمية الإيمان، والإكثار من الذكر والدعاء وقراءة القرآن، ولزوم الطاعة والصحبة الطيبة، وتذكّر ما أعده الله للمؤمنين الصابرين من نعيم الجنان، وما يحصّله الإيمان للعبد من راحة بال واطمئنان ومعالجة من مشكلات الأمراض النفسية ووساوس الشيطان، وفي الحديث: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، رواه أحمد والترمذي وهو حديثٌ صحيح.

كما لا ينبغي لهذه المشكلات أن تعيقك في المضي قدماً في تحقيق مصالحك الدينية والدنيوية، والإنتاج والنجاح والتفوق في حياتك, أحسن الظن بربك، وعزز الثقة بنفسك وتجاوز مشكلات الماضي بتفاؤل وأمل (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم.

الزم طاعة والديك وبرهما، والإحسان إليهما، مهما أفرطت والدتك الكريمة في الإساءة إليك نتيجة تحريش بعض إخوتك، حيث لا يخفى عليك أن الإساءة من الأم غير مقصودة، وإنما هو عامل سوء الفهم والظن والتحريش, ولذلك فعسى الطاعة لها والخدمة، وحسن التعامل مما يلين قلبها ويغير موقفها إلى الأحسن، وتدرك الظلم الواقع عليك والافتراء.

اعلم أنك إذا كنت واثقاً من صدق وعدالة موقفك وقضيتك، فإن الله تعالى معك ولن يضيعك، ولا عبرة بهجران من هجرك أو عاداك إذا كان الله معك.

فليتك تحلو والحياة مريرةٌ ** وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ ** وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صح منك الود فالكل هينٌ ** وكل الذي فوق التراب تراب

أما بصدد سؤالك، فإنه لا ينبغي لك طاعة والدتك في طلاق زوجتك بغير حق؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الطاعة في المعروف) رواه مسلم، وليس من المعروف إفساد العلاقة الزوجية، وتضييع مصالح الزوجين والأولاد، بل على العكس، ولا يخفاك أن هذا لا يعفيك من ضرورة التأمل في مواقفك واحتمالية وقوع أي خطأ مؤثر منك (كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون) كما لا يعفيك من مواصلة البر وصلة الأرحام ما أمكن.

أوصيك باللجوء إلى الله تعالى بالدعاء أن يلين قلب والدتك ويشرح صدرها للحق، ويصلح من نفوس إخوتك ويهديهم للعدل، ومراعاة حق صلة الأرحام وإصلاح ذات البين, واعلم أن (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) رواه مسلم.

هذا، وأسأل الله تعالى أن يفرج همك ويشرح صدرك وينير دربك، ويجمع شملك وأهلك عامة على خير، ويرزقك التوفيق والحكمة، والصبر والسداد ويلهمك الهدى والخير والصواب والرشاد، إنه سميعٌ مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً