الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عاجز عن غض بصري رغم إدراكي لخطورته!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أبلغ من العمر 17 عامًا، أعاني من مشكلة غض البصر في عصرنا هذا، أدرك خطورته وبشاعته وعدم أهميته، بل أصلًا عند إدراكي لهذا أصبحت تقريبًا لا أتأثر، وأغض بصري بسرعة، لكن في ظل انتشار التبرج وعدم الالتزام بالتعاليم الشرعية في اللباس عند غالب نساء هذا العصر، ومع إدماني للإباحية والعادة السرية، مع أني حافظ للقرآن ومتفوق بفضل الله، لكن هذا لم يستطع أن يقف حائلًا بيني وبين التأثر ولو بشكل بسيط.

الأمر يؤثر عليَّ بشكل كبير، وأنا في المرحلة الثانية من الثانوية العامة، وهي الأكبر أهمية، وأطمح إلى دراسة الطب، لكن في ظل الضغط الدراسي والنفسي، فقد أصبح هذا الشيء القبيح بمثابة وسيلة هروبية بوسوسة شيطان لم أستطع التغلب عليها للأسف.

وذكرت الجانب النفسي لأنني في هذه الفترة أعاني من تفكير مفرط أجهد عقلي، وأثر على دراستي، حتى أصبحت أتابع الحصص الدراسية دون جدوى تقريبًا، وتراكمت عليَّ بعض المواد، وهذا له التأثير السلبي -لا قدر الله- إن لم يتم تداركه.

كما أنني أعاني من البيئة السيئة، فغالب أقراني وجميع أبناء صفي ليسوا أناسًا جيدين، ولا يرتبطون بالإسلام في أفعالهم، وأُجبرت على هذه المدرسة في السنة الأخيرة من مسيرتي في المدرسة بسبب الظروف.

الآن أصبح القبح يتزين لي متلبسًا في وهم العلاج، وبدلًا من تخفيف الضغط والهم، فإنه يزداد، وما باليد حيلة.

كما أن إيماني قد ضعف بشكل ملحوظ، ولم أعد قادرًا على الخشوع في صلاتي، وسيطرت عليَّ الوساوس والمخاوف، ومررت بمرحلة نفسية صعبة أدت بي إلى الكفر -والعياذ بالله-؛ إذ نشرت في هذه الفترة مقطعًا مفاده أن الأديان مجرد أوهام تحرر الناس من التفكير وتحصره، وشككت كثيرًا في وجود الإله، -أستغفر الله-، فلا بد من أن هذا سبب ضعف إيماني، وانقيادي وراء الشهوات والمتعة.

الآن أصبح بين أيديكم خلاصة عن حالي، فأفيدوني بما استطعتم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ براء حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ابننا الكريم، نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، وحرصك على إصلاح نفسك والمحافظة على دينك والتفوق في دراستك، ونقدّر ما تمر به من ضغوط نفسية وفكرية، خاصة أنك في السابعة عشرة من عمرك، وهي مرحلة تتسم بقوة الدوافع والتغيرات النفسية، ومع تراكم مشاعر تأنيب الضمير والخوف من عدم تحقيق حلمك في دراسة الطب؛ أصبحت تواجه صعوبة في التركيز والإنجاز.

أولًا: اعلم أن مجاهدة النفس وغض البصر يحتاجان إلى صبر واستمرار، ولا يعني وقوعك في بعض الانتكاسات أنك فشلت أو أنك غير قادر على التغيير؛ فكلما وقعت فعليك التوبة إلى الله واستغفاره، وجدّد عزمك على غض البصر، ولا تستسلم لليأس أو جلد الذات، فبالمجاهدة والاستمرار تصبح الطاعة -بإذن الله- عادة راسخة وسلوكًا في شخصيتك.

ثانيًا: توقف عن مشاهدة المقاطع الإباحية وممارسة العادة السرية، واتخذ قرارًا جادًا بالتغيير، مع الأخذ بالأسباب العملية، ومنها حذف كل ما يقودك إلى هذه الممارسات، وتفعيل أدوات الحجب، وإبعاد الهاتف عنك أثناء الخلوة وقبل النوم، وتجنب استخدامه في أوقات الفراغ.

وإذا راودتك الرغبة، فغيّر مكانك فورًا، وانشغل بنشاط بديل كالرياضة أو المشي أو التواصل مع شخص تثق به، ويمكنك الاستفادة من صيام النافلة إذا استطعت، مع المحافظة على النوم المنتظم.

ثالثًا: لديك مشكلات ومشاعر متداخلة، ولا يلزم أن تعالجها جميعًا دفعة واحدة؛ فابدأ بما تستطيع السيطرة عليه، واجعل أولوياتك في هذه المرحلة: المحافظة على دينك، والتوقف عن السلوكيات التي تضرك، واستعادة تفوقك الدراسي، ولا تجعل الشعور بالذنب يستنزف وقتك وطاقتك، بل حوّله إلى دافع للتوبة والعمل والتغيير.

رابعًا: بالنسبة لدراستك، لا تجعل تراكم المواد يشعرك بأن حلم الطب أصبح بعيدًا؛ بل ضع خطة يومية واقعية، وحدد المواد الأكثر تراكمًا، وابدأ بالأهم، وخصص فترات مذاكرة قصيرة تتخللها استراحات، مع إبعاد الهاتف أثناء الدراسة، واحرص على متابعة الحصص بتركيز، وتدوين ما لم تفهمه، وطلب المساعدة من معلم أو زميل مجتهد، وتذكر أن التفوق يتحقق بالتراكم والاستمرارية، وليس بالضغط على النفس أو انتظار الحماس.

خامسًا: لا تجعل سلوكيات أقرانك معيارًا للحكم على الصواب والخطأ؛ فانتشار سلوك معين لا يجعله صحيحًا، والتمسك بدينك وأخلاقك ليس غربة سلبية، بل هو موضع اعتزاز.

ومن الجميل أنك حافظ للقرآن ومتفوق دراسيًا، فحافظ على هذه النعم، وابحث عن صحبة صالحة وستجدها لتعينك على الخير، ولو من خارج المدرسة، ولا تدخل في صراعات مع زملائك، بل تعامل معهم بأدب مع المحافظة على حدودك وقناعاتك.

سادسًا: أما ما ذكرته عن الشكوك والأفكار المتعلقة بالدين ووجود الله، فلا تجعل مجرد مرور الأفكار والخواطر في ذهنك سببًا للحكم على نفسك بالكفر؛ فالأفكار غير الاختيارية لا تساوي الاعتقاد أو الرضا بها.

وإذا كانت لديك تساؤلات حقيقية، فاعرضها على عالم شرعي موثوق لديه علم وحكمة، ولا تستقِ معلوماتك من المقاطع والحسابات التي تثير الشبهات دون علم أو دليل.

احرص على الابتعاد عن المحتوى الذي يثير اضطرابك، واستمر في الصلاة والقرآن والدعاء، ولا تشترط بلوغ الخشوع الكامل حتى تحافظ على عبادتك.

سابعًا: ننصحك بتقليل استخدام الهاتف ومواقع التواصل، وتضييق أوقات الفراغ، وتنظيم النوم، وممارسة الرياضة، وتخصيص وقت للترفيه المباح؛ فهذه الأمور تساعد على تخفيف الضغط النفسي وتحسين التركيز.

وإذا وجدت صعوبة في السيطرة على السلوكيات الإباحية أو التفكير المفرط رغم محاولاتك، فاستعن بأحد والديك أو شخص راشد تثق به، واطلب المساعدة من مختص نفسي لديه خبرة في التعامل مع المراهقين والسلوكيات القهرية، دون خجل أو تردد.

ختاماً: لا تنظر إلى نفسك باعتبارك شخصًا فشل في الالتزام أو فقد إيمانه، بل انظر إليها باعتبارك شابًا لديه طموحات وقدرات ونقاط قوة، ويحتاج إلى ترتيب أولوياته ومجاهدة نفسه والصبر على التغيير، ولا تربط مستقبلك بانتكاسة عابرة، فباب التوبة مفتوح، وفرص النجاح ما زالت أمامك بإذن الله.

نسأل الله أن يثبت قلبك على دينه، ويعينك على غض بصرك وحفظ نفسك، ويبارك في علمك ووقتك، ويرزقك التفوق وتحقيق ما تطمح إليه من خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً