الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والداي يتعاملان معي بخلاف تعاملهما مع بقية إخواني.. فما توجيهكم؟

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم

أود البدء بحديثي عن أهلي، فهم لا يفهموني في أشياء عديدة أولها التخصص الذي أريد، فأنا أحب مهنة التمريض، لكنهما يرفضان ذلك، فدخلت التخصص الذي يريدان وهو الرياضيات.

ثانيا: أن والدي إذا صدر مني سلوك لم يعجبهما أو أن طريقتي في الكلام لا يرتاحان لها أو فعل شيء لا يحبانه، أو في بعض الأحيان أغضب، وأرفع صوتي بوجههما يغضبان مني كثيرا، ولا يكلمانني حتى أعتذر, بينما إخوتي يصرخون ويفعلون ما يكره والداي، لكنهما لا يغضبان منهم كما يفعلان معي، ولا ينتظران اعتذارهم... ما الحل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ابتهال ملحم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته ومن والاه.. وبعد:

فإننا بداية نشكر لابنتنا الفاضلة تواصلها مع الموقع، ونسأل الله أن يلهمها السداد والرشاد، ونشكر لها هذا الاهتمام بمشاعر والديها، وهكذا ينبغي أن تكون الفتاة، فإن الإنسان لا يملك في هذه الدنيا أغلى من الوالد والوالدة اللذان هما أولى الناس بالإنسان بعد الله تبارك وتعالى، فهما السبب في وجوده بعد الله تبارك وتعالى، وقد ربط الله تعالى رضاه برضاهما، وسخط العظيم في سخطهما، فاجتهدي في إرضاء والديك، واعلمي أن هذا مفتاح لكل نجاح وفلاح وسعادة في هذه الدنيا.

ولا شك أننا نتفهم المرحلة العمرية التي تعيشين أنت فيها، وفي هذه المرحلة يخيل لكثير من الفتيات وكثير من الشباب أن الآباء والأمهات لا يفهمونهم، ولكن ينبغي أن نتذكر أن الآباء والأمهات يريدان لنا الخير ويريدان لنا ما فيه المصلحة والنفع، فعلينا أن نصطحب هذا المعنى الصحيح، وليس معنى هذا أن الآباء والأمهات لا يقعون في أخطاء، ولكن علينا أن ننظر في الدوافع وفي الخلفيات، فهم حتى لو وقعوا في الخطأ من حيث يريدون الإحسان، فعلينا أن نقدر ذلك ونحتمل هذا الجانب، ونصبر عليهم، لأن هذا مما دعت له هذه الشريعة العظيمة التي شرفنا الله تبارك وتعالى بها.

وكم تمنينا نترك مسألة التخصص واختيار التخصص لأبنائنا والبنات، لأن هذه مسألة لها علاقة بالميول ولها علاقة برغبة الإنسان الخاصة، والإنسان يجد نفسه في بعض المواد وفي بعض التخصصات، وإذا تُرك في هذا الاتجاه، فإنه ينتظر منه أن يحقق إنجازات كبيرة، ونجاحات كبيرة، لأنه ذهب في جانب ربما يكون على صلة بالمواهب التي وهبها له الوهاب سبحانه وتعالى.

ولكن أرجو في اختيار الرياضيات التي كانت رغبة الوالدين أن يكون فيها الخير، وأرجو أن تحتسبي إرضاء الوالدين، وتصححي نيتك وتسألي الله التوفيق والسداد في حياتك.

ورغم أنه لم يتضح لنا أسباب رفض الوالدين لهذه المهنة، فلعل الخير فيما اختاره الله تبارك وتعالى، ونحن دائمًا نتمنى للطالبة الجامعية أن تحقق نجاحات، وأن تتفوق في أي مجال تدخل إليه، فإنه لا مكانة في الحياة لغير المتميزين، نحن في زمان كثر فيه من يحمل الشهادات، ومن يحملن الشهادات، ولكن لا ميزة إلا من تميز وتفوق على أقرانه وحقق الدرجات الكبرى، وهذا الذي نتمنى أن يكون سعيك إليه.

أما بالنسبة لمسألة الصراخ ورفع الصوت عند الوالدين، فهذا قطعًا له صلة بالمرحلة العمرية، ولكن نحن نذكر أبنائنا والبنات بضرورة أن نخفض الصوت أمام الوالدين، وأن نتجنب إظهار الغضب أو النظر إليهما شذرًا، فقد قالت أمنا عائشة: (ما بر أباه من حدَّ إليه النظر عند الغضب).

والسلف كانوا يهتمون بهذا، فكان منصور بن المعتمر يدرس الطلاب، وكانت أمه قد غضبت عليه؛ لأنه رفض تولي القضاء، وكانوا يرفضون ذلك لوجود الفضلاء والصلحاء، وخشية على أنفسهم، فالمسألة تكليف وليست تشريفا، فكانت الأم غاضبة، وكانت تأتيه أمام الطلاب فتعيب عليه وتكلمه بكلام جارح، فكان يضع لحيته في صدره ويقول: (لبيك أماه، لبيك أماه، لبيك أماه) فسألوه لأنه لا يرفع رأسه وينظر إليها؟ فيقول: (أخشى أن أنظر إليها بعين محمّرة أو عين فيها غضب فأقع في العقوق).

وكذلك مسألة رفع الصوت عند الوالدين ينبغي أن تتجنبي هذه المسألة، وإذا وجدت نفسك منفعلة أو لم يتفهما الوضع الذي أنت فيه فنحن ننصحك بالانسحاب، ثم إعادة الكرة والتفاهم في وقت آخر، أما أن ترفعي صوتك فهذا مما لا ترضاه شريعة الله، وهذا قطعًا لا نريده لفتاة نجيبة ومتعلمة مثلك، نسأل الله أن يحفظك وأن يقدر لك الخير.

إذا كان الأبوان يطلبان منك الاعتذار دون بقية الإخوان، فأنت أيضًا ينبغي أن لا تقفي عند هذا الأمر، فكونهما طلبا منك الاعتذار، فهذا قد يكون لمكانتك الغالية عندهما، ولأنهما لا يتوقعان منك مثل هذا، أما إخوانك فقد يكونا اعتادا أن يرفعوا أصواتهم، فأنت لا ينبغي أن تكوني مثلهم، فالإنسان لا يقلد الآخرين، لا يتشبه بهم إذا كانوا على الخطأ، عليك أن تفعلي الصواب دون أن تلتفتي إلى ما يفعله إخوانك، ودون أن تقارني بينك وبينهم، وعليك أن تفعلي ما يُرضي الله تبارك وتعالى، لأن رضى الوالدين هذه عبادة، وطاعة لله تبارك وتعالى.

فعليك إذا غضبا أن تجتهدي في إرضائهما، وإذا جاعا أن تجتهدي في إطعامهما، وإذا حزنا أن تجتهدي في إدخال السرور عليهما، حتى تفوزي بثواب البر والإحسان إلى الوالدين عند الله تبارك وتعالى، فلا تحاولي رفع الصوت أمامهما، ولا تخاصميهما، والإنسان حتى لو كان كلام الوالد أو الوالدة في غير مكانه، فإنه أولاً لا يجوز له أن يقول أفٍ، لأن مجرد إظهار التضجر مما لا ترضاه شريعة الله تبارك وتعالى.

ونحن نتفق معك أنه قد يكون كلام الوالد أو الوالدة ليس في مكانه، لكن علينا أن نحسن الاستماع، وأن نُظهر اللطف، وليس هناك مانع من أن نفعل الصواب، لا نفعل إلا ما يُرضي الله تبارك وتعالى، لكن لا نقول أنتم لا تعرفون، أنتم كبار، أنتم كذا، الزمن تغير، هذا الكلام يجرح مشاعرهم، فعودي نفسك حسن الاستماع، وافعلي ما يُرضي الله تبارك وتعالى، وافعلي ما كان صوابًا، وفيه مصلحة، وفيه نفع لك ولهما في الدنيا والآخرة، لكن ليس من الحكمة أن نقابلهما برفع الصوت والرد على كلامهما، والنظر إليهما بوجه مكفهر، هذا الذي نخاف منه على أبنائنا والبنات، وأرجو أن تعلمي أن الآباء والأمهات يريدون لك الخير، ونسأل الله أن يوفقك للسداد وأن يلهمك رشدك، هو ولي ذلك والقادر عليه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً