الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف نفهم قضية القضاء والقدر بشكل صحيح؟
رقم الإستشارة: 2237639

4725 0 367

السؤال

السلام عليكم

كيف يمكن للمسلم أن يفهم قضية القضاء والقدر بشكل صحيح؟ وكيف يمكن أن يدفع عن نفسه القلق والمخاوف من الأمور التي تحصل معه في حياته، والخوف من المستقبل؟ وما هي العلاقة بين فعل الأسباب وبين القضاء والقدر؟

جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك -أخي الحبيب- في موقعك إسلام ويب، وإنه ليسرنا تواصلك معنا في أي وقت، ونسأل الله أن يحفظك بحفظه، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به.

وبخصوص ما سألت عنه -أخي الحبيب- اعلم -بارك الله فيك- أن أصل معنى القضاء في اللغة: إحكام الشيء وإتقانه، والقدر له معان متعددة؛ كلها ترجع إلى مبلغ الشيء، وكنهه، ونهايته.

ومعنى القضاء والقدر شرعا: هو تعلق علم الله تعالى بالكائنات، وإرادته لها أزلاً قبل وجودها، فلا حادث إلا وقد قدره، أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته.

سئل الإمام أحمد عن القدر؟ فقال: القدر: قدرة الرحمن، وقد أخذ هذا من قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا فرق بين القضاء والقدر، وحجتهم في ذلك ما يلي:

- ليس ثمة دليل من كتاب أو سنة على التفريق بينهما.

- استعمال أحدهما في موضع الآخر يدل على عدم التفريق، وقد وقع الاتفاق على أن أحدهما يطبق على الآخر، وعليه فلا فائدة من التفريق بينهما.

ذكر آخرون: أنه يوجد فارق بينهما، فالقضاء اسم لما وقع، والقدر اسم لما لم يقع.

الإيمان بالقضاء والقدر هو خير معين لك على عدم الخوف والقلق، وقد بين ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (عَجَباً لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكان خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكان خَيرًا لهُ).

المؤمن عليه البذل، وما أصابه بعد ذلك من خير أو شر يؤمن -قطعاً- أن له فيه خيراً، فقد يرفع الله الضرر الأعلى بالضرر الأدنى، وقد يبتلي الله العبد ليرفع درجته، أو يغفر ذنبه، ولا يدري أن هذا هو الخير له، والتسليم لله عز وجل والرضى بقضائه هو ما يريحه، ويسعده، ويطمئن قلبه.

الإيمان بالقدر لا ينافي الأخذ بالأسباب، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي: (اعقلها وتوكل) وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتداوي، وفي صحيح مسلم أن سراقة ابن مالك قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: (لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر، وفي رواية: كل عامل ميسر لعمله).

قال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث النهي عن ترك العمل، والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره.

قال ابن القيم: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، والأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله تعالى، والذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج.

اعلم -أخي الحبيب- أن المؤمن الحق هو الذي يبذل غاية ما عليه مؤمناً أن هذا من قدر الله، ولا يستسلم قط ما دام في جهده استطاعة لعمل.

استمع معنا إلى هذا الحديث الذي يبين لك المعنى جلياً، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خرج إلى الشام حتى إذا كان (بسرغ) لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه: أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم: أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) قال: فحمد اللهَ عمرُ ثم انصرف.

نسأل الله أن يوفقك لكل خير والله المستعان.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • إيران almajnoon2005@yahoo.com

    جيد جدا

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً