يضعف إيماني وأكاد أرجع لما كنت عليه - موقع الاستشارات - إسلام ويب
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يضعف إيماني وأكاد أرجع لما كنت عليه
رقم الإستشارة: 2337974

3428 0 119

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فبدايةً أنا شخص ملتحٍ منذ أربع سنوات، وعمري ثلاثة وعشرون سنة، وقد قدَّر الله لي من الهداية ما يشاء، ولكنني أجد - في بعض الأحيان - أني تسرعت بإطلاق لحيتي -التي تشير إلى الإستقامة والالتزام - وأحاول جاهداً بإذن الله أن أكون كذلك، فلحيتي تمنع الناس مخالطتي بشكلٍ كبيرٍ، فمثلاً إخوتي يتضايقون أحياناً من وجودي معهم في سفرٍ أو في السيارة، أو حتى عند ذهابي معهم؛ لأنهم يسمعون الأغاني ويدخنون ويفعلون أشياء غير شرعية، وأنا - كما يفكرون - مخرب لأمرهم هذا!

كذلك أبناء عمومتي، لا أحد منهم يسأل عني، ولا يريدون مصاحبتي أو دعوتي عندهم، أو يأتون لزيارتي بسبب أن - كما يقولون - ملتزم، وتصرفاتهم لا تعجبني؛ حيث أن بها مخالفات شرعية كالغناء والتدخين وقصص علاقاتهم .. الخ.

أضف إلى ذلك أصحابي القدامى عندما أزورهم في مجالس تجمعهم.

وأذكر أنه كان هناك خطبة لابنة خالتي وقاموا بتشغيل الأغاني والرقص، وعندما خرجت وصفوني بالمتشدد والكئيب.

يا أخي أقولها وبكل صراحة بدأت بالندم في داخلي؛ لدرجة أني أصبحت أريد أن أسمع الأغاني وأن أقيم علاقات مع النساء و....وحتى الزنا والعياذ بالله!

أصبحت - والعياذ بالله - أفعل المعاصي سراً من شدة ما أجد من الفراغ.

أصبحت أقارن نفسي بيني وبين إخوتي، فهم خارج البيت طوال الوقت، ولا تكاد أجهزتهم تنطفئ من الاتصالات وأنا على نقيض ذلك.

لا تقل لي صاحب الأخيار، قد صاحبت العديد منهم، ولكن لم يكونوا لي بعزيز صاحبٍ إلا قليلاً منهم.

يا أخي لا أقول لك أني مثالي، ولكني شخص طيب الطباع حسن الخلق، لا أُغضب أحداً ولا أسيء إلى أحد، ولا يوجد من عرفني ولم يثنِ عليّ، فلماذا الناس وخصوصاً الأقربون ينفرون مني!
أكان التزام العبد منفراً؟!!
أم اللحية منبوذة وشكلها كريه؟!!
ما لي أراهم كثراً في المعاصي؟!!
أللمعاصي لذة تفوق لذة الطاعة؟!!

لا تلوموني؛ فعندما أجد القريب والبعيد يخشون مصاحبتي - لأني ملتزم - وهذا قولهم - فلا بد أن أخرج من فيض ما لديّ وإلا متُّ كمداً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو فهد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

لا أخفيك - أخي العزيز - إن مشكلتك هذه والتي أجدني في غاية التفهم لها والتعاطف معها، والشعور بالود مع صاحبها –هي مشكلة لكثيرين أمثالك ممن صلحوا واستقاموا واختاروا طريق الله والدين وحسن الخلق، ونبذوا اللهث وراء المعاصي والشهوات؛ ذلك أنّ طريق الاستقامة والالتزام في جهة، وطريق الشبهات والشهوات في جهةٍ أخرى, ولهذا فلا عجب أن تجد من الناس ومن الأقارب نفوراً وسخرية بسبب الجهل، والإقبال على الدنيا والانغماس في الشهوات والملذات، ونسيان الله والموت والدار الآخرة، (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خيرٌ وأبقى).

لا تحزن أخي الحبيب ولا تيأس من أهلك وأصدقائك؛ فعن قريب يستيقظون من غفلتهم لحسن فطرتهم شأنهم شأن كثيرين غيرهم بإذن الله.

فما تشعر به من غربةٍ وألمٍ قد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أهلها في قوله: (بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ, فطوبى للغرباء, الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وبلاؤك أقل بكثير من ابتلاء من قبلك من الأنبياء وأتباعهم، (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيرا)، فلا شك أنك حين تقرأ قصص القرآن الكريم وهي تشكل نحو الثُلث منه، وكذا السيرة النبوية؛ تجد مدى ما لقيه الأنبياء من أذىً شديد مادياً ومعنوياً بالقتل والتعذيب والاتهام لهم بالكذب والسحر والشعر والجنون، حتى من أقاربهم، كما تعلم من قصة أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام الذي قال للرسول: (ألهذا جمعتنا؟ تباً لك سائر اليوم)، وكانت زوجة أبي لهب تضع الشوك والأذى في طريقه وكذّبه قومه حتى مات عمه أبو طالب كافراً، فأنزل الله (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند.

وهذا الأذى - أخي العزيز - إنما هو ضريبة قليلة لغاية ونعمة كبيرة اسمها رضوان الله والجنة. وفي صحيح سنن الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إنّ سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة). وفي الحديث: (ليأتينّ على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر, أجر الواحد منهم بسبعين منكم ... لأنكم تجدون من يعينكم على الحق ولا يجدون) رواه أحمد وصححه الألباني. وذلك لكثرة الفتن والمغريات وقلة الأعوان على الاستقامة والالتزام, وفي حديث آخر: (وددت أن قد رأينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي. وإخواني الذين لم يأتوا بعد) رواه أحمد وصححه شعيب الأرنؤوط.

أما أهل الطاعة؛ فإن ما يهون عليهم الشعور بالألم هو ما يشعرون به في المقابل براحة النفس والضمير بقربهم من ربهم الحبيب كما قال بعض الصالحين: (والله إنا لفي متعة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف) وقال آخر: (لئن كانت جنة الكافر في شهواته فإن جنة المؤمن في محرابه)، كما يسليهم انتظار الفرج القريب في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) وإدراكهم أن البلاء ضريبة محبة وطاعة رب السماء (حفت الجنة بالمكاره, وحفت النار بالشهوات) رواه مسلم، وهذه الشهوات وإن لقي أصحابها بعض المتعة والراحة إلا أنها وقتية ما تلبث حتى يملأهم ويداخلهم الشعور بالضيق والاكتئاب.

فوالله لو امتلأت حياتهم بالبهجة وأفواههم بالضحكة فإن ذل وألم المعصية من وراء ضحكتهم وبهجتهم كما نقرأ ونسمع من قصص أهل الفن ونحوهم؛ لشعورهم أحياناً بالملل أو تأنيب الضمير أو الشعور بالتيه والضياع؛ حيث لا يجدون لحياتهم معنىً ولا غاية، فيلجؤون غالباً إلى إدمان المسكرات والمخدرات، وربما يلجأ بعضهم إلى الانتحار. (ومن يعشُ عن ذكرِ الرحمنِ نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدون عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) نسأل الله العافية.

كونك - أخي الحبيب - كما ذكرت بحمد الله عليك على طبع طيب وخلق حسن لا تسيء إلى أحد، ولا تغضب أحداً، ومحل ثناء من يعرفك، وعلى هداية واستقامة لاسيما في بلاد الغرب؛ حيث انتشار الكفر والشهوات، فهذا من فضل الله عليك ونعمته (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) (وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها).

فاحرص أخي على دعوتهم بالأسلوب المناسب، وفق منهج الاعتدال من غير تشدد وبالرفق والتواضع والحكمة والرحمة والقدوة الحسنة (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، (فبما رحمة من الله لنت لهم ولوكنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، ويا حبذا لو كانت مجالستك لهم قليلة، ودعوتك لهم بحضور من هو أغزر منك علماً وأحسن أسلوباً.

لا تتبرم أخي من الصحبة الطيبة فإنك لن تعدم من بعض منها ولو قليلة – كما ذكرت -، تذكرك إذا نسيت وتنبهك إذا غفلت، وتعلمك إذا جهلت وتعينك على حل مشكلاتك، كما نتشرف نحن في الموقع معك بإذن الله.

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتوجع

كما تكون لك خير عدة في أوقات الرخاء أو الشدة.

أخاك أخاك إن من لا أخاً له كساعِ إلى الهيجاء بغير سلاح.

ولا يصدك عنها ما قد تجده من بعضهم من أخطاء وعيوب، فالكمال عزيز، والكمال المطلق لله تعالى.

سامح أخاك إذا خلط منه الإساءة والغلط وتجـافَ عـن تعنـيفه إن زاغ يـوماً أو قـسط
واعلم بأنك إن طلبت مبرئا رمت الشطط من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط؟

وكما أن للصحبة الطيبة والصبر عليها أثر طيب في الثبات على الاستقامة, ولا تلزم أن تكون صحبة بدنية، بل تشمل التواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة واستماع الخُطب والمحاضرات والدروس والبرامج النافعة والمفيدة وكذلك الاقتران بالزوجة الصالحة (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.

واحذر – أخي الحبيب – من التسامح في ارتكاب الذنوب ولو الصغائر، فإنها طريق حتمي ولا بد إلى الوقوع في الكبائر (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن تجتمع على المرء حتى تهلكه) أخرجه أحمد بسند حسن. وعند النسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه : (فإن لها من الله طالباً).

هذا وأسأل الله أن يفرج همومنا، وييسر أمورنا، ويشرح صدورنا، وينير عقولنا، ويزكي نفوسنا، ويطهر قلوبنا، ويستر عيوبنا، ويغفر ذنوبنا ويتقبل توبتنا، ويرزقنا البيئة والصحبة والزوجة الصالحة وصلابة في الدين، وإيماناً في يقين ويحشرنا في زمرة النبيين والصالحين.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: