الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صديقتي تريد الدراسة في جامعة مختلطة رغم رفض والديها!
رقم الإستشارة: 271637

3574 0 602

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي صديقة تبلغ من العمر 17 عاماً تقريباً، وهي بفضل الله ورحمته نشأت في بيت ملتزم يحرص على إرضاء الله في كل صغيرة وكبيرة، ويحرص كذلك على تربية أولادهم تربية صالحة بحيث يزرعون معاني العقيدة السليمة في قلوبهم، وتقوى الله في السر والعلن ... وأسأل الله أن يبارك لهم في والديهم، ويجزيهم خير الجزاء، ويحفظهم ويسلمنا جميعاً من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم آمين.

وبينما كنت أتناقش مع صديقتي بخصوص رحلتها العلمية، أخبرتني أنها ترغب بدراسة شيء إضافي مع ما تدرسه حالياً؛ إذ أنها طالبة في نفس الجامعة الإسلامية التي أدرس بها.

والهدف من هذه الدراسة هي الحصول على شهادة تضمن لها مستقبلها وتجعلها تعتمد على نفسها من غير اللجوء إلى أحد لا سيما إن توفي والدها لا قدر الله، أو أن زوجها في المستقبل احتاج إلى مساعدة كون أن الحياة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم!

وهذه الدراسة تتطلب الذهاب إلى جامعة مختلطة، وبما أننا نعيش في أمريكا فهي مكان مليء بالفتن والفواحش، بالإضافة إلى الشبهات التي ممكن أن يواجهها المدرسون والمدرسات أو حتى بعض الطلاب خاصة للشخص المسلم.

ورأيي بخصوص الدراسة في الجامعات المختلطة عموماً، هي أن الإنسان يجب أن يتجنب ويبتعد عن مواطن الفتنة ما أمكنه، وإن لزمه أو اضطر إلى التواجد فيها؛ فعليه أن يمكّن نفسه بدراسة دينه جيداً بحيث يصبح على درجة عالية من الإيمان يستطيع به رد الشبهات التي ممكن أن يتعرض لها، وصدِّ نفسه وحمايتها من الفتن التي ممكن أن يقابلها في هذا المكان.

إضافة إلى ذلك، البحث عن الصحبة الصالحة، ومراجعة النفس باستمرار خشية الوقوع في شيء يغضب الله أو أن يصاب بمرض من أمراض القلوب من حيث لا يشعر.

وكنت قد اقترحت على صديقتي تأجيل دراستها لحين أن تنتهي من دراستها للشريعة، والهدف من ذلك هو لزيادة الإيمان في قلبها، والتعرف على الشبهات التي يحدثونها وكيفية الرد عليها، ولتصبح كذلك في عمرٍ تكون فيه أكثر نضجاً من العمر الذي هي عليه الآن، خاصة أن فترة المراهقة يعتريها الكثير من التغيرات الجسمانية والنفسية، بالإضافة إلى سرعة التأثر بمن حوله.

وكان تعقيبها على هذا الاقتراح بأنه لا يوجد بأس بالدراسة في مثل هذه الجامعات، وأنها قادرة على صد الشبهات، وستتحكم في كيفية تعاملها مع الآخرين.

وعليه؛ قررت بعث استشارة لعلها تكون سبباً مساعداً للوصول إلى الحل الأفضل ( الصواب )، فأرجو من فضيلتكم نصائح جامعة بحيث تكون موجهة لكل شاب وشابة يرغبان بالدراسة في الجامعات المختلطة، خاصة أن معظم الجامعات الآن فيها هذا البلاء، وإن بحثوا عن جامعات أخرى يجدونها إما تحتاج إلى أن تنال إلى الاعتراف الرسمي، أو لا يوجد فيها التخصص الذي يرغبون بدراسته لتحقيق مستقبل ناجح.

وأرجو كذلك، إبداء وجهة نظركم تجاه هذا الأمر، ومن ثم النظرة الشرعية له، وكيف يمكن للإنسان - خاصة النساء - أن يضمن مستقبلهن؟ وما هي الوسائل التي بها تستطيع المرأة مساعدة زوجها في المستقبل إن اضطر لذلك وكان في ضائقة مالية؟!

وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيكم وبكم، ويبارك لكم في أوقاتكم وجهودكم، وينفع بكم أينما حللتم، ويجزيكم خير الجزاء، وأن يجعل جميع أعمالكم خالصة لوجهه، ويتقبلها منكم، اللهم آمين.

وعذرا على بعث استشارة أخرى، إلا أنني نسيت إضافة الدافع الذي دفعني لكتابة الاستشارة؛ إذ أن والدتها وكلتني لإقناعها بعدم الدراسة في الجامعة المختلطة لأنها لمست فيها سرعة التأثر بمن حولها خاصة الأخوات ( شبه مسلمات، أو مسلمات بالاسم )، وتخشى عليها من الانحراف ... وعندما حاول والدها إقناعها بعدم الذهاب، ظنت أنهما لا يرغبان لها بالدراسة، وتضايقت، فأوصتني بالتكفل بهذا الأمر، وأسأل الله أن أكون أهلاً له، وعند حسن ظنها، اللهم آمين.

لذا أرجو من فضيلتكم توجيه النصح البليغ كما عهدناه منكم دائماً ... وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجزيكم خير الجزاء، ويكرمكم بالدارين، اللهم آمين.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ المحبة لصديقتها حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه لا خير في دراسة تخالف رغبة الوالدين، وتضع الإنسان في مواطن الشبهات والشهوات، والخطر والشين، ونسأل الله أن يفتح بصيرتها، وأن يردها إلى الصواب والدين.

وكم نحن سعداء بما وهبك الله من فهم ووعي اتضح من خلال هذه الاستشارة، وحق لنا أن نفخر ونسعد بفتاة تفكر بهذه الطريقة وتملك القدرة على الإقناع وتنال ثقة الناس، ونسأل الله أن يديم عليك نعمته، وأن يزيدك من فضله، وأن يفتح لك قلب صديقتك، وأن يلهمها رشدها ويعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا.

وأرجو أن تعلم الابنة الفاضلة أن رفض الوالدين لتلك الدراسة كافٍ لصرف النظر عنها، فإن طاعتهما من طاعة الله، فكيف إذا كان في الجامعة أمور تغضب الله!؟

والإنسان العاقل لا يأمن على نفسه بل إن الحي لا تؤمن فتنته، ولا يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للفتن، ولا ينبغي أن يضع نفسه في موضع التهم، وليس في دراستها أمر ضروري، والإسلام لا يطالب المرأة بالعمل إلا إذا اشتدت حاجتها أو احتاج المجتمع المسلم إلى خدماتها وكل ذلك شريطة أن لا تكون في الدراسة أو العمل مخالفات شرعية.

وأرجو أن تعلم الفتيات أنهن خسرن كثيراً من أنوثتهن ونضارتهن عندما دخلن إلى مساحات العمل، وتسلمن مهام وأعمال الرجال وانكشف ظهر المجتمع وضاعت الطفولة وضاع الإنتاج؛ حيث انشغلت المرأة بلفت أنظار الرجال وترك الرجال أعمالهم وانشغلوا بالنظر إلى موظفات كأن الواحدة منهن تزف إلى زوجها، ولست أدري ماذا يتبقى للموظفة من راتبها بعد المكياج واللباس والزينات! وماذا يبقى لها من أنوثتها؟ وها هي المرأة الغربية بدأت تفكر في الرجوع إلى المنزل لتقوم بدور الأم، وقد تركت بعض الشهيرات مناصبهن العالية، فمتى تنتبه فتاة الإسلام التي يريد دينها منها الابتعاد عن مواطن الرجال؟!

وأرجو أن تعلم كل فتاة تخرج من بيتها للعمل أنها تترك وظيفتها، فليس المرأة عاطلة كما يقول أهل الغفلة، بل إن الأم هي الشخص الوحيد الذي يعمل ليلاً ونهاراً، وقد أثبتت الدراسات في البلاد الغربية والشرقية أن الخسائر الحاصلة من خروج المرأة للعمل وتركها لدورها الهام أكبر من الإنجازات التي تتحقق بمشاركتها في ميادين العمل.

ولست أدري ماذا سيستفيد الإنسان إذا فقد دينه، وخسر قلبه بالميل إلى الشهوات أو الوقوع في شكوك الشبهات!!

وقد صدقت في قولك إنها مرحلة في غاية الخطورة، وليس عندها علم تدفع به الشبهات، وقد يضعف دينها عن مواجهة الشهوات، وقد أحسن من قال:-

ولو كان سهما واحداً لاتقينه *** ولكنه سهم وثان وثالث

وقد أثبتت آخر الدراسات سرعة تأثر المرأة إذا كانت مع الرجال، بل ثبت أن هناك أشعة مغناطيسية تنطلق من جسد المرأة وعينها إلى الرجل وكذلك الأمر بالنسبة للرجل وقد أحسن من قال:-

كل الحوادث مبدأها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فعلت في نفس صاحبها ** فعل السهام بلا قوس ولا وتر
يسر ناظره ما ضر خاطره *** لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

وأبلغ من ذلك قول ربي: (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ))[النور:30-31] (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))[النور:63].

وهل سألت ابنتنا الفاضلة نفسها: هل هي مكلفة أن تطلب العلم أو الرزق بمعصية الله؟ ألا تعلم أن الأرزاق محددة وأن الإنسان لا يملك أن يزيد في رزقه ولكنه يمكن أن يزيد في ذنوبه إذا طلب الرزق بالمعصية؟ وهل الأرزاق مربوطة بالشهادات؟ وأحسن من قال:-

ولو كانت الأرزاق تأتي على الحجا *** هلكن إذن من جهلهن البهائم

وهذه وصيتي للجميع بتقوى الله ومرحباً بكم جميعاً في وموقعكم، وأرجو أن تركز على دراستها الشرعية حتى تتفرغ منها.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً