الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نصائح وإرشادات لمطلقة يجبرها أهلها على التخلي عن أولادها لأبيهم
رقم الإستشارة: 296754

4355 0 508

السؤال

يضغط أهلي علي دوماً بأن أتخلى عن أبنائي وأرسلهم إلى والدهم كوني مطلقة وأعيش معهم بالمنزل، زاعمين أنني الآن يجب أن أتحمل مسئوليتهم كأهل، وألتزم تجاههم وبطلباتهم، وأن الأولوية ليست لأبنائي بعد الآن، وإنما لهم!

ويهددوني دوماً إن لم ألتزم بطلباتهم أولاً وقبل كل شيء -حتى لو كانت على حسابي وحساب دراسة أولادي وطلباتهم- فإنهم سيجبرونني أن أرسل أولادي إلى والدهم، ويرون أنهم الأحق براتبي، والأحق باهتمامي، وأن حياتي الآن يجب أن تكون مسخرة لهم وليس لغيرهم!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاتن حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك (إسلام ويب)، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يعينك على تربية أبنائك تربية صالحة طيبة مباركة، وأن يعوضك خيراً عمَّا فقدتِ، وأن يجعلك من أهل الجنة، وأن يوفقك للبر بوالديك والإحسان إلى أهلك، وألا يوقعك في حرج أو مكروه معهم، وأن يديم بينكم المحبة والوئام والتفاهم والانسجام.

وبخصوص ما ورد برسالتك – أختي الكريمة الفاضلة – فإنه مما لا يخفى عليك أن فكرة الطلاق تكون ثقيلة جدّاً ومكروهة لدى أهل المرأة، خاصة لدى والديها، وبمجرد حدوث الطلاق فإن قلوبهم تمتلئ كراهية لزوج ابنتهم الذي طلقها وتخلى عنها، حتى وإن كان أقرب الناس إليهم؛ لأنهم يرون أنه بذلك قد خدش كرامتهم وأهانهم وأنه قد تخلى عن ابنتهم، وأنه قد اتهم تربيتهم، إلى غير ذلك، خاصة إذا كانت هناك مشاكل قبل الطلاق.

فشبح الطلاق يظل مخيماً على فكر وعلى ذاكرة الوالدين خاصة؛ لأنهما هما أعظم الناس تأثراً بظروف ابنتهم، ومن هنا فإن موقفهم عادة ما يكون رافضاً لأي شيء من طرف الرجل الذي طلق ابنتهم، حتى وإن كانوا يحبون أبناءه، إلا أنهم عندما يتذكرون أن أباهم قد طلق ابنتهم فإنهم فعلاً تمتلئ نفوسهم غيظاً وعدم رضاً.

بل أحياناً قد يصل الحد إلى كراهية هؤلاء الأبناء، رغم أن الأصل والطبيعي أن الأجداد يحبون الأحفاد محبة عظيمة، ولكن هذا إذا كان الوضع طبيعياً، فهم يحبون الأبناء من محبتهم لأبيهم، أما إذا كانوا يكرهون أباهم أو لا يستريحون له أو يبغضونه فإن هذا الأمر يُلقي بظلاله على علاقتهم بأبناء ابنتهم أو أبناء ابنهم، وهذا أمر فطري، إلا أنه أحياناً قد يكون فيه قدر من المبالغة غير المعقولة التي تؤدي إلى الوقوع في الظلم، وأحياناً قد تؤدي إلى حرمان ابنتهم حقها الشرعي، فهم الآن يضغطون عليك لتتخلي عن أبنائك وأنت لا يمكن أن تستطيعي الحياة بغير أبنائك، فهؤلاء هم حياتك الآن، ولعلك بهم تنسين كثيراً من هموم الحياة، فهم عندما يضغطون عليك لتتخلي عنهم كأنهم يطلبون منك أن تتخلي عن روحك أو عن حياتك.

نعم هم لا يدركون إلى حد كبير الجراحات التي تعتمل في نفسك، ولا يقدرون الظروف النفسية التي تمرين بها عندما يضغطون عليك هذا الضغط، لأنهم يريدون أن ينتقموا ممن ظلمك أو ممن اعتدى عليك أو أن يثأروا لكرامتهم، ولذلك بالضغط على هذا الرجل المجرم في نظرهم، ولذلك يوصلون له أبناءه ليعكروا عليه صفوه، ونسوا بأنك أم وأن من حقك أيضاً أن تسعدي بأبنائك، وأنك أسعد إنسان عندما تري بعينك أبناءك وقد تميزوا وقد كبروا أمام عينك، هذا يعتبر مشروعك الأكبر في الحياة.

ولذلك أنا حقيقة أتمنى أن تتوسطي معهم في الأمر، ليس من حقهم أبداً أن يجبروك على التخلي عن أبنائك، بل ليس من حق أي جهة في العالم أن تجبرك على ذلك؛ لأن هذا حرام شرعاً، فهذا حق كفله لك الإسلام، بل ألزمك به؛ لأن هؤلاء الأبناء عادة ما يألفون أمهم ويلجئون إليها خاصة في مراحل الصغر، فقولي لي بربك: لو أنك تخليت عنهم ووالدهم قد تزوج بامرأة أخرى، أيسرك أن تعاملهم زوجة أبيهم معاملة قاسية ومعاملة سيئة ومعاملة عنيفة؟!

إن كثيراً من الأمهات تفضل أن تظل بلا رجل من أجل أبنائها، وتضحي بحياتها، وأنت خاصة ما زلت صغيرة، ولعل هناك نساء كثيرات وصلن إلى سن أكبر من سنك ولم يتزوجن بعد، فأنت قد منَّ الله عز وجل عليك بأبناء وأصبحت أمّاً وأصبحت ترين أمام عينك زهرة حياتك وهي تتحرك أمامك في سعادة ويسر، وأعتقد أنك منسجمة معهم انسجاماً كاملاً أكثر من انسجامك مع أبيك وأمك؛ لأن هؤلاء هم حياتك وهم عزك وهم أملك وهم سعادتك وهم فرحك، إلى غير ذلك من المصطلحات التي لا تنتهي.

ولذلك ليس من حقهم أن يضغطوا عليك حقيقة، وكونهم يزعمون أنك يجب الآن أن تتحملي مسئوليتهم وأن تلتزمي تجاههم وطلباتهم وأن الأولوية لهم؛ هذا ليس صحيحاً، نحن نقول: لن نقصر في خدمة أحد، أبنائي لهم حقهم الشرعي، كما أنكم ربيتموني وكنتم حريصين عليَّ وتتعبون من أجلي وتكرهون زوجي الذي طلقني؛ فأنا أيضاً أولادي هؤلاء لا يمكن أن أتخلى عنهم، بل إنه من المنطق جدّاً أن تتخلى الأم عن أبيها وعن أمها من أجل أبنائها، وهذا شيء طبيعي.

ولذلك رجاءً بارك الله فيك أن تتوسطي معهم في الأمر؛ لأنه ما دام هؤلاء بهذه الحساسية فهم لن يستريحوا أبداً لوضع أنك تعاملين أبناءك معاملة كاملة مع شيء من الإغفال لحقهم، فأنت تتوسطين في الأمر، وهي أعتقد أنها تضحية كبيرة ومسئولية عظيمة وليست سهلة، ولكن هذا قدرك.

فاجتهدي بارك الله فيك في إرضائهم والإحسان إليهم على قدر استطاعتك، مع عدم التفكير مطلقاً في التخلي عن أبنائك، لأنك بذلك تتخلين عن حياتك، وتدفعين إلى المجتمع بقائمة من المجرمين المعقدين الحاقدين الذين لن ينظروا إلى أبيهم على أنه تخلى عنهم، وإنما سينظرون إلى أمهم على أنها هي التي رمتهم، وقد يتحولون إلى أعداء لك والعياذ بالله؛ لأن الإنسان منا أسير لمن يحسن إليه ومن يرفق به ومن يعطف عليه.

ولذلك أقول بارك الله فيك: حق الوالدين عظيم وهذا مما لا شك فيه، وحق الأولاد أيضاً عظيم وهذا أولى؛ لأن الله تبارك وتعالى أوصانا خيراً بأبنائنا الصغار وأن نُحسن إليهم وجعل مسئوليتهم عظيمة، وجعلنا مسئولين عنهم في الدنيا، ومحاسبين عن التقصير في تربيتهم في الآخرة.

فأنا أرى بارك الله فيك أن التوسط في المسألة حل مناسب، وأنه إذا كانت هناك فرصة للتعبير عن مشاعرك لوالديك في لحظة صفاء، أن تقولي لهم: هؤلاء أبنائي وأنا من الصعب أن أتخلى عنهم؛ لأنكم تطلبون مني أن ألفظ أنفاسي وأن أموت، ولذلك أتمنى أن تساعدوني على أن أتأقلم مع أولادي وأن نكون جميعاً أبناءكم، اتركوا أباهم الآن، فهذا قدر الله وقد انتهى، ولكن هم أبناؤكم الآن، أبنائي هم أبناؤكم لأني أنا ابنتكم، فلا تفكروا في التخلي عنهم؛ لأن هذا يؤلمني جدّاً وهذا يذبحني وأنا لا أتحمل ذلك.

وحاولي -كما ذكرت- إرضاءهما مثلاً بشيء من الراتب إذا كانوا في حاجة إلى ذلك، بذل مزيد من الخدمة لأمك إذا كانت تحتاج، ولأبيك، وكذا، وحاولي أن تكوني معهم بصورة أوسع، حتى تدفعي عن أبنائك نظرة هؤلاء إليهم، وأنهم أولى بهذا الإكرام من أولادك، وأن أبناءك قد احتلوك واستعمروك والأولى بهم أن يذهبوا إلى أبيهم لأنه هو الذي جاء بهم وتخلى عنك، فنورطه نحن في أبنائه.

أنت بحسن السياسة أعتقد أنك تستطيعين أن تلعبي دوراً متميزاً، تحافظين من خلاله على حضانتك لأبنائك وأيضاً إكرامك لوالديك والإحسان إليهم.

وتوجهي إلى الله عز وجل بالدعاء أن يعينك على أداء هذه المهمة لأنها مهمة صعبة، وأكثري من الصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مع الاستغفار، وحاولي أن تضاعفي جهدك بالنسبة لخدمات البيت إذا كان يحتاج خدمة شخصية كمسألة الطبخ أو الغسيل أو النظافة أو غير ذلك، حاولي أن تعطي مساحة أكبر لهم حتى يشعروا بأنك لم تقصري فيهم، وإذا كانت المسائل المادية هذه هدفاً استراتيجياً بالنسبة لهم أو أساسياً فلا مانع أيضاً أن تكرميهم على قدر استطاعتك على ألا تقصري في حقك ولا حق أبنائك.

وأسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يعينك فعلاً على القيام بهذه المهمة الصعبة، لأنك كالذي يمشي بين حقول ألغام إن جاء يمنةً يخاف أن ينفجر فيه اللغم، وإن جاء يسرة يخاف أن يهلك، فتوسطي في الأمر، وسلي الله الإعانة، وأبشري بفرج من الله قريب.

وأسأل الله عز وجل أن يبارك فيك وفي أبنائك، وأن يعطف والديك عليك وعلى أولادك حتى تذهب هذه الشحنات الموجودة في صدورهم لتعيشي آمنة مستقرة ما بين أبنائك ووالديك.

هذا وبالله التوفيق.


مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً