الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم ولاية الأب على ابنته التي راودها عن نفسها

السؤال

هل تسقط ولاية رجل أراد أن يفاحش ابنته كرّتين من دون أن يكون سكران أو فاقدا لعقله؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإنا لله وإنا إليه راجعون وهو حسبنا ونعم الوكيل فيما آل إليه حال بعض الناس من انتكاس الفطر وانعدام القيم إلى مستوى البهيمية (أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً )، وإلا فكيف لأحد أن يراود ابنته عن نفسها ويواقعها مهما بلغ من الفجور، فهذه غاية الإسفاف والنذالة والتردي الخلقي ، وعلى تلك المسكينة ألا تستجيب لنزوات أبيها الشهوانية، وتصرفه عنها بما تستطيع، ولا تخلو به، وتسكن مع غيره من أقاربها على أن تصاحبه بمعروف ، فتصله وتبره وتحسن إليه، ومن ذلك أن تذكره بالله وتخوفه من عقابه بحكمة ولطف ولين، فإن ارتدع بذلك وقبل النصح فبها ونعمت، ولا تخبر حينئذ أحداً بما جري ستراً عليه ، وإن لم يرتدع فبإمكانها أن تكلم أقاربها في أمره لعله يرتدع عن نزغاته ونزواته ، وإذا لم يُجْدِ معه ذلك فلها أن ترفع أمره إلى أصحاب السلطة والقرار لتأديبه ومنعه ، وانظر الفتوى رقم : 47916 .

وأما هل تسقط ولا يته بذلك؟ فالجواب عنه أن العلماء قد اختلفوا في الفاسق هل تسقط ولايته بفسقه أم لا ؟ ومحل الكلام في الفاسق إذا لم يكن فسقه متعلقاً بخيانة من تحت يده؛ كما يدل عليه تعليلهم لذلك. فذهب الجمهور من الأئمة الثلاثة إلى أنها لا تسقط لأن الفسق لا ينافي الولاية، قال العز بن عبد السلام معللاً لأصحاب هذا الرأي: ولاية النكاح لا تشترط فيها العدالة على قول لأن العدالة إنما شرطت في الولايات لتزع الولي عن التقصير والخيانة ، وطبع الولي في النكاح يزعه عن التقصير والخيانة في حق وليته ، لأنه لو وضعها في غير كفء كان ذلك عاراً عليه وعليهم ، وطبعه يزعه عما يدخله على نفسه ووليته من الأضرار والعار.

وقال الزرقاني في شرحه على الموطأ: وأما الفسق فإنه لا ينافي ولاية النكاح، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: لا تصح من الفاسق ولاية في النكاح. والدليل على ما نقوله أن هذا حر مسلم فجاز أن يكون ولياً في النكاح. وكذا قال الكاساني في بدائع الصنائع . وقال ابن قدامة في المغني: العدالة في كونها شرطاً روايتان: إحداهما: هي شرط ... وهذا قول الشافعي، وذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد . قال أحمد : أصح شيء في هذا قول ابن عباس .. ولأنها ولاية نظرية ، فلا يستبد بها الفاسق ، كولاية المال . والرواية الأخرى ، ليست شرطا .. وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي ، لأنه يلي نكاح نفسه ، فتثبت له الولاية على غيره ، كالعدل ، ولأن سبب الولاية القرابة ، وشرطها النظر ، وهذا قريب ناظر ، فيلي كالعدل. وذهب الشافعي ورواية عن أحمد إلى اشتراط العدالة وسقوط الولاية بالفسق. قال العز بن عبد السلام معللاً لهذا الرأي: تصحيح ولاية الفاسق مفسدة ، لما يغلب عليه من الخيانة في الولاية. وسبق ذكر بعض ما استدل به أصحاب هذا الرأي .

ولعل الراجح منه أن الفسق لا تسقط به الولاية كما هو مذهب الجمهور وسبق التعليل له ، إلا إذا كان الفسق سببه خيانة المولى عليه كما هو الحال في السؤال، فإن الولاية تسقط به لأن الولي هنا لا غيرة له على عرضه ولا أمانة له، فهو مسلوب النظر فاسد التدبير، ولا يتحقق فيه أي معنى من تلك المعاني التي ذكرها العلماء لبقاء الولاية للفاسق .

فالذي نراه أنه لا ولاية لذلك الأب على ابنته التي راودها على فعل الفاحشة إلا إذا تاب من فسقه وخيانته لعرضه .

والله أعلم .

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني