الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه كتب لوائل بن حجر: "من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب من أهل حضرموت بإقام الصلاة المفروضة، وأداء الزكاة المعلومة عند محلها، في التيعة شاة، لا مقورة الألياط ولا ضناك، وانطوا الثبجة، وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين، ولا غمة في فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال، أمير أمره رسول الله فاسمعوا وأطيعوا".

[ ص: 281 ] حدثنيه محمد بن الحسين بن إبراهيم، قال: أخرج إلينا أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين بن داود بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، صاحب رسول الله، كتابا في أدم، ذكر أنه كتاب كتبه رسول الله لجده وائل بن حجر إملاء على علي بن أبي طالب، وقال: قلدني أبي هذا الكتاب عند موته، وقال: "يا بني، تواصينا بهذا الكتاب كبرا، عن كبر حتى صار إلي".

الأرواع: جمع الرائع مثل شاهد وأشهاد، وناصر وأنصار، يريد ذوي المناظر والهيئات منهم، وهم الرؤساء والعظماء الذين يروعون بجمالهم وبهائهم،  يقال: جمال رائع، وأصله من قولك: راعني روعا أي: أفزعني وهو أن يفرط حتى يروع.

قال الله تعالى: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار والمشابيب: واحدهم مشبوب وهو: الزاهر المتوقد اللون، من قولك: شببت النار إذا أوقدتها،  قال العجاج:


ومن قريش كل مشبوب أغر حلو المساهاة وإن عادى أمر



ومن هذا حديث أم سلمة أخبرناه ابن داسة، نا أبو داود، نا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أنا مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حكيمة بنت أسيد، عن أمها، عن مولى لها، عن أم سلمة، قالت: جعلت علي صبرا حين توفي أبو سلمة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنه يشب الوجه؛ فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار".

[ ص: 282 ]

يريد أنه يوقده ويلونه، وروى قتادة، عن مطرف: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ائتزر ببردة سوداء، فجعل سوادها يشب بياضه، وجعل بياضه يشب سوادها"  أي: يزهاه ويجلوه.

والتيعة: الأربعون من الغنم،  وقد فسره أبو عبيد. والمقورة الألياط: الهزيل المسترخي جلدها، والاقورار في الجلد: الاسترخاء. والليط: القشر اللازق بالشجر والقصب ونحوهما، والقطعة ليطة،  قال ذو الرمة:


بمجلوزة الأفخاذ بعد اقورارها     مؤللة الآذان عفر نزائع



وقال بشر بن أبي خازم يصف فرسا:


يضمر بالأصائل فهو نهد     أقب مقلص فيه اقورار



أي: ضمور.

والضناك: الكثير اللحم، وأنشد الفراء:


لعمري لأعرابية بدوية     تظل بسجفي بيتها الريح تخفق
أحب إلينا من ضناك ضفنة     إذا فترت عنها المراوح تعرق



ويقال: ضنأك على وزن فعلل، يقال: رجل ضنأك وامرأة ضنأكة.

وقوله: انطوا الثبجة:  يريد أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذالته. وثبج كل شيء: وسطه.

[ ص: 283 ]

وقوله: من زنى مم بكر: يريد من بكر، وقد تتعاقب الميم والنون كقولهم: حلان وحلام، وذام وذان.

وقوله: فاصقعوه: فاضربوه، وأصل الصقع: الضرب على الرأس.  

وقوله: استوفضوه عاما:  يريد النفي والتغريب، وأصله في الإبل إذا نفرت، يقال: استوفضت الإبل إذا تفرقت من ذعر، ومنه قيل للأخلاط من الناس: الأوفاض، وفي الحديث: "أنه أمر بصدقة توضع في الأوفاض"، وهم الفرق من الناس. قال ذو الرمة يصف الثور والكلاب:


طاوي الحشى قصرت عنه محرجة     مستوفض من بنات الأرض مشهوم



المستوفض: النافر من الذعر، والمحرجة: الكلاب التي عليها قلائد، والحرج: قلادة الكلب، والمشهوم: الحديد الفؤاد.

وقوله: ضرجوه بالأضاميم:  يريد الرجم بالحجارة، والتضريج: التدمية، والأضاميم: جماهير الحجارة واحدتها إضمامة، وسميت إضمامة؛ لأن بعضها قد ضم إلى بعض، ويقال: هذا إضمامة من الكتب كالإضبارة، ورأيت إضمامة من الناس: أي: جماعة منهم، وكذلك هي في الدواب وغيرها، قال ذو الرمة يصف الصائد والحمر:


وبات يلهف مما قد أصيب به     والحقب يرفض منهن الأضاميم



وقوله: لا توصيم في الدين:  أي: لا هوادة فيه، وأصله الفتور والكسل، [ ص: 284 ] وهو معنى قوله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، قال لبيد:


وإذا رمت رحيلا فارتحل     واعص ما يأمر توصيم الكسل



وقوله: يترفل معناه يتأمر ويترأس، وقد فسرناه فيما مضى من الكتاب.

التالي السابق


الخدمات العلمية