الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه إن قيس بن عاصم المنقري قال أتيته فقلت يا رسول الله ما المال الذي ليس فيه تبعة من [ ص: 87 ] طالب ولا من ضيف قال: "نعم المال أربعون والكثر ستون وويل لأصحاب المئين إلا من أعطى الكريمة ومنح الغزيرة ونحر السمينة فأكل وأطعم القانع والمعتر" .

قال وقال لي رسول الله "كيف تصنع في الطروقة" قال يغدو الناس بجمالهم فلا يوزع رجل عن جمل يخطمه وفي رواية أخرى "كيف تصنع في الإفقار" قال إني لأفقر البكر الضرع والناب المدبرة
 
في حديث طويل .

أخبرناه ابن الأعرابي نا محمد بن صالح كيلجة نا عارم نا الصعق بن حزن عن الحسن عن قيس بن عاصم المنقري.

وأخبرني محمد بن هاشم نا الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثت أنه قال له: "فكيف أنت عند القرى" قال: ألصق والله يا رسول الله بالناب الفانية والضرع.

قوله: ليس فيه تبعة أي ما يتبع المال من الحقوق وأصلها من تبعت الرجل بحقي وتابعته به إذا طالبته والتبيع الذي يتبعك بحق ويطالبك به.

قال الله: ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ومنه قوله: "إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" .

يريد إذا أحيل بحقه [على مليء] فليحتل وأكثر المحدثين يقولون إذا اتبع بتثقيل التاء والصواب أتبع. [ ص: 88 ] حدثناه إسماعيل بن محمد الصفار نا حمدان الوراق نا خالد بن مخلد ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" والتبعة والتباعة تجريان مجرى الظلامة أنشدني التمار أنشدني ابن الأنباري أنشدنا أبو العباس ثعلب :


إذا كنت ذا مال ولم تك منفقا فأنت إذا والمقترون سواء     على أن للأموال يوما تباعة
على أهلها والمقترون براء

والكثر: الكثير كما قيل في القليل قل قال أبو زيد الكثر من المال الكثير قال والحلق مثله يقال جاء فلان بالحلق قال والذود من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة والصرمة ما بين العشرة إلى الأربعين فإذا بلغت ستين فهي الصدعة والهجمة أولها أربعون إلى ما زادت وهنيدة المائة قط.

وأخبرني أبو عمر أنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هنيدة: المائة من الإبل ولا تصرفها وهند مائتان من الإبل واصرفها قال أبو عمر صرعينا إبل كثيرة من غير ألف ولام قال وهو نادر جدا وأنشدنا [يصف سائلا شبهه بالقراد]

مثل البرام غدا في أصدة خلق     لم يستعن وحوامي الموت تغشاه
فرجت عنه بصرعينا لأرملة     أو بائس جاء معناه كمعناه



[ ص: 89 ] وقوله: منح الغزيرة أراد المنيحة وهي الناقة أو الشاة ذات الدر تعار للبنها ثم ترد إلى أهلها ومنه قوله صلى الله عليه: "المنيحة مردودة" والقانع: السائل يقال قنع قنوعا إذا سأل وقنع قناعة إذا عف عن المسألة والمعتر الذي يغشاك ويتعرض لك ولا يفصح بحاجته وقوله: كيف "تصنع في الطروقة" فإنه يريد فحل الطروقة وهي الناقة التي استحقت الضراب وآن لها أن تطرق يقال استطرقني فلان فأطرقته أي أعطيته فحلا يضرب في إبله.

وقوله: لا يوزع رجل عن جمل يخطمه أي لا يمنع منه يقال وزعت الرجل عن الأمر أي كففته عنه أنشدني محمد بن عبد الواحد النحوي أنشدنا المبرد:


لسان الفتى سبع عليه شذاته     وإلا يزع من غربه فهو قاتله
وما الجهل إلا منطق متسرع     سواء عليه حق أمر وباطله

والمعنى أنه لا يأخذ على ضراب الفحولة عسبا.

وقوله: لا يوزع رجل عن جمل يخطمه: أي لا يمنع منه. يقال: بحبالهم يعني الحبال التي تقرن بها الإبل، قال سالم بن قحفان العنبري:


فلا تعذليني في العطاء ويسري     لكل بعير جاء طالبه حبلا

ويقال إن سالما هذا أتاه صهره أخو امرأته فأعطاه بعيرا من إبله وقال لامرأته هاتي حبلا يقرن به ما أعطيناه إلى بعيره، ثم أعطاه بعيرا آخر [ ص: 90 ] وقال: هاتي حبلا، ثم أعطاه ثالثا وقال هاتي حبلا فقالت ما بقي عندي حبل فقال لها علي الجمال وعليك الحبال.

وقوله: أفقر الضرع فإن الإفقار في الإبل أن تعار للركوب والحمل عليه ومنه حديث جابر "أنه باع النبي صلى الله عليه جمله قال وأفقرني ظهره إلى المدينة" والضرع الصغير ويقال الضعيف، والناب: المسنة.

وقوله: ألصق بالناب الفانية معناه إلصاق السلاح بها وكان من عادتهم أن يعرقبوها قبل النحر قال الراعي:


وقلت له ألصق بأيبس ساقها     فإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا



التالي السابق


الخدمات العلمية