الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَيَقُولُ : وَاحَرَزَاهُ وَأَبْتَغِي النَّوَافِلَ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ أَخْبَرَنَا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى "أَحْرَزْتُ نَهْبِي وَأَبْتَغِي النَّوَافِلَ " . قَوْلُهُ : وَاحَرَزَاهُ وَأَبْتَغِي النَّوَافِلَ مَثَلٌ لِلْعَرَبِ تَقُولُ عِنْدَ الظَّفَرِ بِالشَّيْءِ وَإِحْرَازِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ . يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْوَاجِبَ مِنَ الْوَتْرِ وَأَمِنَ فَوَاتَهُ وَأَحْرَزَ أَجْرَهُ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ تَنَفَّلَ وَإِلَّا فَقَدَ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِ الْوَاجِبِ وَتَخَلَّصَ مِنْ عُهْدَتِهِ . وَالْحَرَزُ مَفْتُوحَةُ الرَّاءِ مَا أَحْرَزْتَهُ مِنْ شَيْءٍ كَالرَّسَلِ لِمَا أَرْسَلْتَهُ وَالْقَبَضُ لِمَا قَبَضْتَهُ وَالْهَدَمُ لِمَا هَدَمْتَهُ وَالنَّوَافِلُ مَا زَادَ عَلَى الْفَرَائِضِ وَوَلَدُ الْوَلَدِ يُسَمَّى نَافِلَةً عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فَأَمَّا الْأَنْفَالُ فَوَاحِدُهَا نَفْلٌ وَأَصْلُهُ الْعَطَاءُ قَالَ لَبِيدٌ: إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفْلِ . وَهُوَ مَا أَعْطَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكَفَرَةِ وَأَغْنَمَهُ إِيَّاهُمْ وَالنَّهْبُ : الْغَنِيمَةُ قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ : تُؤَمِّلُ أَنْ أَؤُوبَ لَهَا بِنَهْبٍ وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ السَّهْمَ صَابَا وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنْبَأَنَا الصَّائِغُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فَضَّلَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ فِي الْعَطَاءِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَكَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا وَكَرًى عَلَى الْمُهْرِ بِالْأَجْرَعِ فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْـ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْقَوْمِ ذَا تُدْرَأُ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "اقْطَعُوا لِسَانَهُ عَنِّي " . النَّهَابُ جَمْعُ نَهْبٍ وَالْأَجْرَعُ الْمَكَانُ الْوَاسِعُ وَفِيهِ حُزُونَةٌ يُقَالُ أَرْضٌ جَرْعَاءُ وَمِثْلُهُ الْأَمْعَزُ وَالْمَعْزَاءُ وَهُوَ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ الْحَصَا وَالْأَبْطَحُ وَالْبَطْحَاءُ وَهُوَ مَا انْبَطَحَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْ ذَكَّرَ أَرَادَ الْمَكَانَ وَمَنْ أَنَّثَ فَعَلَى نِيَّةِ الْبُقْعَةُ وَالْعُبَيْدُ فَرَسُهُ وَفِيهِ مَا أَعْلَمْتُكَ أَنَّهُ كَانَ يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ كَمَا يُسْهَمُ لِلْفَارِسِ وَلِذَلِكَ أَضَافَ النَّهْبَ إِلَى فَرَسِهِ كَمَا أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ : ذَا تُدْرَأُ أَيْ ذَا ، هُجُومٌ وَاقْتِحَامٌ . وَيُقَالُ : دَرَأَ عَلَيْهِمُ السَّيْلُ إِذَا هَجَمَ وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ كَهِيَ فِي قَوْلِهِمْ شَرٌّ تَرَتَّبَ أَيْ رَاتِبٌ دَائِمٌ قَالَ الْقُلَاخُ الْمِنْقَرِيُّ : وَذِي تُدْرَأُ مَا اللَّيْثُ فِي أَصْلِ غَابَةٍ بِأَشْجَعَ مِنْهُ عِنْدَ قِرْنٍ يُنَازِلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تُدْرَأُ الْقَوْمَ رَئِيسُهُمْ . وَقَوْلُهُ اقْطَعُوا لِسَانَهُ مَعْنَاهُ أَعْطُوهُ مَا يُسْكِتُهُ وَيُرْضِيِهِ كَنَّى بِاللِّسَانِ عَنِ الْكَلَامِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : إِنِّي أَتَتْنِي لِسَانٌ لَا أُسِرُّ بِهَا مِنْ عَلْوٍ لَا كَذِبَ فِيهَا وَلَا سَخَرُ وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ أَتَى شَاعِرٌ النَّبِيَّ فَقَالَ : "يَا بِلَالُ اقْطَعْ لِسَانَهُ" فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَقَالَ : قَطَعْتَ وَاللَّهِ لِسَانِي . وَوَجْهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَوْ مِمَّنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ فَتَعَرَّضَ لَهُ بِالشِّعْرِ فَأَعْطَاهُ لِحَقِّهِ أَوْ لِحَاجَتِهِ لَا لِشِعْرِهِ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوَا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ" يُرِيدُ الرَّدَّ وَالْخَيْبَةَ وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ عِنْدَمَا يُذْكَرُ مِنْ خَيْبَةِ الرَّجُلِ وَخَسَارَةِ صَفْقَتِهِ لَمْ يُحَصِّلْ فِي كَفِّهِ غَيْرَ التُّرَابِ وَمَا فِي يَدِهِ غَيْرُ التَّيْرَبِ . وَنَظِيرُ هَذَا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبِي أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَقَالَ : "إِذَا أَتَاكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا " . وَرُوِّينَا عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَحَثَا التُّرَابَ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ وَقَالَ : هَكَذَا أُمِرْنَا . أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ فَأَخَذَ الْمِقْدَادُ تُرَابًا فَحَثَا فِي وَجْهِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية