الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي ( وَإِذَا سُبِيَ صَبِيٌّ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَمَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا ( إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُ ) لِأَنَّهُ صَحَّ إسْلَامُهُ اسْتِحْسَانًا ( أَوْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ) لِأَنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا ( وَإِنْ لَمْ يُسْبَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ فَحُكِمَ بِالْإِسْلَامِ كَمَا فِي اللَّقِيطِ . فتح القدير ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا ) قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ حَتَّى يَكُونَ لِسَانُهُ يُعْرِبُ عَنْهُ إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } ( قَوْلُهُ وَهُوَ يَعْقِلُ ) أَيْ يَعْقِلُ صِفَةَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ مَا فِي الْحَدِيثِ " أَنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ " أَيْ بِوُجُودِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ " وَمَلَائِكَتِهِ " أَيْ بِوُجُودِ مَلَائِكَتِهِ " وَكُتُبِهِ " أَيْ إنْزَالِهَا " وَرُسُلِهِ " أَيْ بِإِرْسَالِهِمْ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ " وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " أَيْ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ " وَالْقَدْرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ " وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا : اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَاسْتَوْصَفَهَا صِفَةَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَعْرِفْهُ لَا تَكُونُ مُسْلِمَةً . وَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ مَا يَظْهَرُ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي جَوَابِ مَا الْإِيمَانُ مَا الْإِسْلَامُ كَمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْعَوَامّ لِقُصُورِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ ، بَلْ قِيَامُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ بِالْبَاطِنِ مَثَلًا بِأَنَّ الْبَعْثَ هَلْ يُوجَدُ أَوْ لَا ، وَأَنَّ الرُّسُلَ وَإِنْزَالَ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوْ لَا يَكُونُ فِي اعْتِقَادِهِ اعْتِقَادَ طَرَفِ الْإِثْبَاتِ لِلْجَهْلِ الْبَسِيطِ ، فَعَنْ ذَلِكَ قَالَتْ : لَا أَعْرِفُهُ ، وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّا نَسْمَعُ مِمَّنْ يَقُولُ فِي جَوَابِ مَا قُلْنَا لَا أَعْرِفُ وَهُوَ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ وَالْخَوْفِ مِنْ النَّارِ وَطَلَبِ الْجَنَّةِ بِمَكَانٍ ، بَلْ وَذَكَرَ مَا يَصْلُحُ اسْتِدْلَالًا فِي أَثْنَاءِ أَحْوَالِهِمْ وَتَكَلُّمِهِمْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِاعْتِقَادِ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَكَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ خَاصٍّ مَنْظُومٍ وَعِبَارَةٍ عَالِيَةٍ خَاصَّةٍ فَيُحْجِمُونَ عَنْ الْجَوَابِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ) اعْلَمْ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ عَلَى مَرَاتِبَ : أَقْوَاهَا تَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَيْ فِي أَحْكَامٍ لَا فِي الْعُقْبَى فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّ أَطْفَالَهُمْ فِي النَّارِ أَلْبَتَّةَ بَلْ فِيهِ خِلَافٌ . قِيلَ يَكُونُونَ خَدَمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ إنْ كَانُوا قَالُوا بَلَى يَوْمَ أُخِذَ الْعَهْدُ عَنْ اعْتِقَادٍ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِلَّا فِي النَّارِ . وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِمْ : إنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ ، وَهَذَا نَفْيٌ لِهَذَا التَّفْصِيلِ ، وَتَوَقَّفَ فِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَاخْتُلِفَ بَعْدَ تَبَعِيَّةِ الْوِلَادَةِ ، فَالَّذِي فِي الْهِدَايَةِ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ، وَفِي الْمُحِيطِ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْيَدِ وَعِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْيَدِ يَكُونُ تَبَعًا لِلدَّارِ وَلَعَلَّهُ أَوْلَى ، فَإِنَّ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ صَبِيٌّ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِصَاحِبِ الْيَدِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية