الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري فَصْلٌ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : 16 16 - مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ " . فتح الباري لابن رجب وَقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةٍ : " فَقَدْ وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ " ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ : " وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ " . فَهَذِهِ الثَّلَاثُ خِصَالٍ مِنْ أَعْلَى خِصَالِ الْإِيمَانِ ، فَمَنْ كَمَلَهَا فَقَدْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَطَعِمَ طَعْمَهُ ; فَالْإِيمَانُ لَهُ حَلَاوَةٌ وَطَعْمٌ تُذَاقُ بِالْقُلُوبِ كَمَا تُذَاقُ حَلَاوَةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِالْفَمِ ; فَإِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَقُوَّتُهَا كَمَا أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ غِذَاءُ الْأَبْدَانِ وَقُوَّتُهَا . وَكَمَا أَنَّ الْجَسَدَ لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا عِنْدَ صِحَّتِهِ ، فَإِذَا سَقِمَ لَمْ يَجِدْ حَلَاوَةَ مَا يَنْفَعُهُ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ قَدْ يَسْتَحْلِي مَا يَضُرُّهُ وَمَا لَيْسَ فِيهِ حَلَاوَةٌ ; لِغَلَبَةِ السُّقْمِ عَلَيْهِ . فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ إِنَّمَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إِذَا سَلِمَ مِنْ أَسْقَامِهِ وَآفَاتِهِ ، فَإِذَا سَلِمَ مِنْ مَرَضِ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حِينَئِذٍ ، وَمَتَى مَرِضَ وَسَقِمَ لَمْ يَجِدْ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، بَلْ يَسْتَحْلِي مَا فِيهِ هَلَاكُهُ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْمَعَاصِي . وَمِنْ هُنَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ " ; لِأَنَّهُ لَوْ كَمَلَ إِيمَانُهُ لَوَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، فَاسْتَغْنَى بِهَا عَنِ اسْتِحْلَاءِ الْمَعَاصِي . سُئِلَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ : هَلْ يَجِدُ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا مَنْ هُمْ بِالْمَعْصِيَةِ . وَقَالَ ذُو النُّونِ : كَمَا لَا يَجِدُ الْجَسَدَ لَذَّةَ الطَّعَامِ عِنْدَ سَقَمِهِ ، كَذَلِكَ لَا يَجِدُ الْقَلْبُ حَلَاوَةَ الْعِبَادَةِ مَعَ الذُّنُوبِ . فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَطَعِمَ طَعْمَهُ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا . وَمَحَبَّةُ اللَّهِ تَنْشَأُ تَارَةً مِنْ مَعْرِفَتِهِ ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ تَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الْبَاهِرَةِ ، وَالتَّفَكُّرِ فِي مَصْنُوعَاتِهِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْحِكَمِ وَالْعَجَائِبِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَتَارَةً تَنْشَأُ مِنْ مُطَالَعَةِ النِّعَمِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَرْفُوعِ : " أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحَبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ " . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَعْضِ نُسُخِ كِتَابِهِ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَنْ عَرَفَ اللَّهَ أَحَبَّهُ ، وَمَنْ أَحَبَّهُ أَطَاعَهُ . فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ تَقْتَضِي الطَّاعَةَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : الْمَحَبَّةُ الْمُوَافَقَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، ثُمَّ أَنْشَدَ : وَلَوْ قُلْتَ لِي مُتْ مُتُّ سَمْعًا وَطَاعَةً وَقُلْتُ لِدَاعِي الْمَوْتِ أَهْلًا وَمَرْحَبَا وَمَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : فَرْضٌ ، وَهِيَ الْمَحَبَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِفِعْلِ أَوَامِرِهِ الْوَاجِبَةِ ، وَالِانْتِهَاءِ عَنْ زَوَاجِرِهِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى مَقْدُورَاتِهِ الْمُؤْلِمَةِ . فَهَذَا الْقَدْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي دَعْوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَحْفَظْ حُدُودَهُ - فَهُوَ كَاذِبٌ . فَمَنْ وَقَعَ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، أَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ - فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ ، حَيْثُ قَدَّمَ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ ; فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لَوْ كَمَلَتْ لَمَنَعَتْ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا يَكْرَهُهُ . وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْوُقُوعُ فِيمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ لِنَقْصِ مَحَبَّتِهِ الْوَاجِبَةِ فِي الْقُلُوبِ ، وَتَقْدِيمِ هَوَى النَّفْسِ عَلَى مَحَبَّتِهِ ، وَبِذَلِكَ يَنْقُصُ الْإِيمَانُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ " الْحَدِيثَ . وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْمَحَبَّةِ ، وَهِيَ فَضْلٌ مُسْتَحَبٌّ - أَنْ تَرْتَقِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى التَّقَرُّبِ بِنَوَافِلِ الطَّاعَاتِ وَالِانْكِفَافِ عَنْ دَقَائِقِ الشُّبَهَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ ، وَالرِّضَا بِالْأَقْضِيَةِ الْمُؤْلِمَاتِ . كَمَا قَالَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ : أَحْبَبْتُ اللَّهَ حُبًّا هَوَّنَ عَلَيَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ ، وَرَضَّانِي بِكُلِّ بَلِيَّةٍ ، فَمَا أُبَالِي مَعَ حُبِّي إِيَّاهُ عَلَى مَا أَصْبَحْتُ ، وَلَا عَلَى مَا أَمْسَيْتُ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَصْبَحْتُ وَمَا لِي سُرُورٌ إِلَّا فِي مَوَاقِعِ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ ! وَلَمَّا مَاتَ وَلَدُهُ الصَّالِحُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ قَبْضَهُ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونَ لِي مَحَبَّةٌ تُخَالِفُ مَحَبَّةَ اللَّهِ ! وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ فِي مَرَضِهِ : أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبَّهُ إِلَيْهِ . وَأَمَّا مَحَبَّةُ الرَّسُولِ فَتَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ كَمَالِهِ وَأَوْصَافِهِ ، وَعِظَمِ مَا جَاءَ بِهِ . وَيَنْشَأُ ذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ مُرْسِلِهِ وَعَظَمَتِهِ كَمَا سَبَقَ ; فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِطَاعَتِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى طَاعَتِهِ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَمَحَبَّةُ الرَّسُولِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ أَيْضًا : إِحْدَاهُمَا : فَرْضٌ ، وَهِيَ مَا اقْتَضَى طَاعَتَهُ فِي امْتِثَالِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْمُخْبَرَاتِ وَالرِّضَا بِذَلِكَ . وَأَنْ لَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا جَاءَ بِهِ ، وَيُسَلِّمَ لَهُ تَسْلِيمًا ، وَأَنْ لَا يَتَلَقَّى الْهُدَى مِنْ غَيْرِ مِشْكَاتِهِ ، وَلَا يَطْلُبَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا مَا جَاءَ بِهِ . الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ : فَضْلٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَهِيَ مَا ارْتَقَى بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَآدَابِهِ وَأَخْلَاقِهِ ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ لِأَهْلِهِ وَإِخْوَانِهِ ، وَفِي التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ الظَّاهِرَةِ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ ، وَفِي جُودِهِ وَإِيثَارِهِ وَصَفْحِهِ وَحِلْمِهِ وَاحْتِمَالِهِ وَتَوَاضُعِهِ . وَفِي أَخْلَاقِهِ الْبَاطِنَةِ ، مِنْ كَمَالِ خَشْيَتِهِ لِلَّهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَشَوْقِهِ إِلَى لِقَائِهِ ، وَرِضَاهُ بِقَضَائِهِ ، وَتَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِهِ دَائِمًا ، وَصَدْقِ الِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ ، وَالتَّوَكُّلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ ، وَقَطْعِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْأَسْبَابِ كُلِّهَا ، وَدَوَامِ لَهْجِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِذِكْرِهِ ، وَالْأُنْسِ بِهِ وَالتَّنَعُّمِ بِالْخَلْوَةِ بِمُنَاجَاتِهِ وَدُعَائِهِ ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ . وَفِي الْجُمْلَةِ : فَكَانَ خُلُقُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ ، يَرْضَى لِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ ، فَأَكْمَلُ الْخَلْقِ مَنْ حَقَّقَ مُتَابَعَتَهُ وَتَصْدِيقَهُ قَوْلًا وَعَمَلًا وَحَالًا ، وَهُمُ الصِّدِّيقُونَ مِنْ أُمَّتِهِ الَّذِينَ رَأَسَهُمْ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَهُمْ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً بَعْدَ النَّبِيِّينَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ لِتُفَاضِلِ مَا بَيْنَهُمْ " . قَالُوا " : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ مَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ ! قَالَ : " إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ " . خَرَّجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ . وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ وَأَعْلَى دَرَجَاتِهِ . وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ ، فَقَالَ : أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ " . وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِقُّ الْعَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلَّهِ ، وَيُبْغِضَ لِلَّهِ . فَإِذَا أَحَبَّ لِلَّهِ ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ - فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْوِلَايَةَ مِنَ اللَّهِ " . وَفِيهِ : عَنِ الْبَرَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ ، وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ " . وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ " . وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، وَأَعْطَى لِلَّهِ ، وَمَنَعَ لِلَّهِ - فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ " . وَخَرَّجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ " وَأَنْكَحَ لِلَّهِ " . وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ تَالِيَةً لِمَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا فَقَدْ صَارَ حُبُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بُغْضُهُ لِلَّهِ ، وَمُوَالَاتُهُ لَهُ وَمُعَادَاتُهُ لَهُ ، وَأَنْ لَا تَبْقَى لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ . وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ ، وَكَرَاهَةَ مَا يَكْرَهُهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْأَشْخَاصِ . وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُعَامَلَتُهُمْ بِمُقْتَضَى الْحُبِّ وَالْبُغْضِ ; فَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ أَكْرَمَهُ وَعَامَلَهُ بِالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ أَهَانَهُ بِالْعَدْلِ . وَلِهَذَا وَصَفَ اللَّهُ الْمُحِبِّينَ لَهُ بِأَنَّهُمْ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْأَلُكَ حُبَّكَ ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُبَلِّغُنِي إِلَى حُبِّكَ " . فَلَا تَتِمُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَّا بِمَحَبَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَمُوَالَاتِهِمْ ، وَبُغْضِ أَعْدَائِهِ وَمُعَادَاتِهِمْ . وَسُئِلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : بِمَ تُنَالُ الْمَحَبَّةُ ؟ قَالَ : بِمُوَالَاةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ، وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ ، وَأَصْلُهُ الْمُوَافَقَةُ . الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكْرَهَ الرُّجُوعَ إِلَى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ الرُّجُوعَ إِلَى النَّارِ ; فَإِنَّ عَلَامَةَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَمَا سَبَقَ . فَإِذَا رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ ، وَتَحَقَّقَ بِهِ ، وَوَجَدَ حَلَاوَتَهُ وَطَعْمَهُ - أَحَبَّهُ ، وَأَحَبَّ ثَبَاتَهُ وَدَوَامَهُ ، وَالزِّيَادَةَ مِنْهُ . وَكَرِهَ مُفَارَقَتَهُ ، وَكَانَ كَرَاهَتُهُ لِمُفَارَقَتِهِ أَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ وَالْمُؤْمِنُ يُحِبُّ الْإِيمَانَ أَشَدَّ مِنْ حُبِّ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِلظَّمْآنِ ، وَيَكْرَهُ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَشَدَّ مِنْ كَرَاهَةِ التَّحْرِيقِ بِالنِّيرَانِ ، كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْإِيمَانِ ، فَقَالَ : " أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ تُحْرَقَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ ، وَأَنْ تُحِبَّ غَيْرَ ذِي نَسَبٍ لَا تُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ . فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ " . وَفِي " الْمُسْنَدِ " أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَّى مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَقَالَ لَهُ فِيمَا وَصَّاهُ بِهِ : " لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ " . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَّى أَبَا الدَّرْدَاءِ وَغَيْرَهُ أَيْضًا . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَقَدْ كَانُوا فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَحَرَقُوهُمْ بِالنَّارِ لِيَرْتَدُّوا عَنِ الْإِيمَانِ ، فَاخْتَارُوا الْإِيمَانَ عَلَى النَّارِ . وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ أُتِيَ بِهَا وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا يُرْضَعُ ، فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَهَا فِي النَّارِ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ ، فَقَالَ لَهَا الصَّبِيُّ : يَا أُمَّهِ ، اصْبِرِي ; فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ " . وَأُلْقِيَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ فِي النَّارِ عَلَى امْتِنَاعِهِ أَنْ يَشْهَدَ لِلْأَسْوَدِ بِالنُّبُوَّةِ ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا . وَعُرِضَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنْ يَتَنَصَّرَ فَأَبَى ، فَأَمَرَ مَلِكُ الرُّومِ بِإِلْقَائِهِ فِي قِدْرٍ عَظِيمَةٍ مَمْلُوءَةٍ مَاءً تَغْلِي عَلَيْهِ ، فَبَكَى وَقَالَ : لَمْ أَبْكِ جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ يُفْعَلُ بِهَا هَذَا فِي اللَّهِ ، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَكَانُ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنِّي نَفْسًا يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ! هَذَا مَعَ أَنَّ التَّقِيَّةَ فِي ذَلِكَ بِاللِّسَانِ جَائِزَةٌ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الصَّبْرُ وَعَدَمُ التَّقِيَّةِ فِي ذَلِكَ . فَإِذَا وَجَدَ الْقَلْبُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَحَسَّ بِمَرَارَةِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ ، وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ سُئِلَ ذُو النُّونِ : مَتَى أُحِبُّ رَبِّي ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ مَا يَكْرَهُهُ أَمَرُّ عِنْدِكَ مِنَ الصَّبِرِ . وَقَالَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ : لَيْسَ مِنْ أَعْلَامِ الْمَحَبَّةِ أَنْ تُحِبَّ مَا يُبْغِضُهُ حَبِيبُكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ مِنْ كَرَاهَةِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ هُوَ أَنْ يَنْفُرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَتَبَاعَدَ مِنْهُ جُهْدَهُ ، وَيَعْزِمَ عَلَى أَنْ لَا يُلَابِسَ شَيْئًا مِنْهُ جُهْدَهُ ; لِعِلْمِهِ بِسَخَطِ اللَّهِ لَهُ وَغَضَبِهِ عَلَى أَهْلِهِ . فَأَمَّا مَيْلُ الطَّبْعِ إِلَى مَا يَمِيلُ مِنْ ذَلِكَ ، خُصُوصًا لِمَنِ اعْتَادَهُ ، ثُمَّ تَابَ مِنْهُ - فَلَا يُؤَاخِذُ بِهِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِزَالَتِهِ ; وَلِهَذَا مَدَحَ اللَّهُ مَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَوَى يَمِيلُ إِلَى مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ مَنْ عَصَى هَوَاهُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَسُئِلَ عُمَرُ عَنْ قَوْمٍ يَشْتَهُونَ الْمَعَاصِيَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وَقَدْ تَرْتَاضُ النَّفْسُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَأْلَفُ التَّقْوَى حَتَّى تَتَبَدَّلَ طَبِيعَتُهَا وَتَكْرَهَ مَا كَانَتْ مَائِلَةً إِلَيْهِ ، وَيَصِيرُ التَّقْوَى لَهَا طَبِيعَةً ثَابِتَةً . وَهَلْ هَذَا أَفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلِ ؟ أَمِ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ ؟ هَذَا قَدْ يَخْرُجُ عَلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ عَمِلَ طَاعَةً وَنَفْسُهُ تَأْبَاهَا وَهُوَ يُجَاهِدُهَا ، وَآخِرَ عَمَلِهَا وَنَفْسُهُ طَائِعَةٌ مُخْتَارَةٌ لَهَا - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الثَّانِيَ أَفْضَلُ . وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ : " أَسْلِمْ ! " قَالَ : أَجِدُنِي كَارِهًا ! قَالَ : " وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا " . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ مَعَ نُفُورِ الْقَلْبِ عَنْهُ وَكَرَاهَتِهِ لَهُ ، لَكِنْ إِذَا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَاعْتَادَهُ وَأَلِفَهُ دَخَلَ حُبُّهُ قَلْبَهُ وَوَجَدَ حَلَاوَتَهُ . وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمَ ، وَلَفْظُهُ " وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ " . وَيُسْتَشْكَلُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُودَ مَحَبَّةِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي : الْإِلْقَاءَ فِي النَّارِ وَالرُّجُوعَ إِلَى الْكُفْرِ ، وَتُرَجَّحُ مَحَبَّةُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي . وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ . وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَكْرُوهَيْنِ ، فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِشِدَّةِ كَرَاهَتِهِ لِمَا رَغِبَ عَنْهُ - فَإِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّهُ مُحِبٌّ لِمَا اخْتَارَهُ مُرِيدٌ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ ، بَلْ لِدَفْعِ مَا هُوَ عِنْدَهُ أَشَدَّ كَرَاهَةً وَأَعْظَمَ ضَرَرًا . وَمِنْ هُنَا وَرَدَ مَا وَرَدَ مِنْ حُبِّ الْمَوْتِ فِي الْفِتْنَةِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْهَا . وَقِيلَ لِعَطَاءِ السُّلَيْمِيِّ : لَوْ أُجِّجَتْ نَارٌ ، وَقِيلَ : مَنْ دَخَلَهَا نُجِّيَ مِنْ جَهَنَّمَ - هَلْ كُنْتَ تَدْخُلُهَا ؟ فَقَالَ : بَلْ كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَخْرُجَ نَفْسِي فَرَحَا بِهَا قَبْلَ وُصُولِي إِلَيْهَا . وَيُشْبِهُ هَذَا حَالَ الْمُكْرَهِ عَلَى فِعْلٍ بِضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ تَهْدِيدٍ أَوْ بِقَتْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ افْتِدَاءً لِنَفْسِهِ مِمَّا أُكْرِهَ بِهِ عَلَيْهِ - هَلْ هُوَ مُخْتَارٌ لَهُ ؟ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُخْتَارٌ لَهُ لَا لِنَفْسِهِ ، بَلْ لِلِافْتِدَاءِ بِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْأَعْظَمِ ، فَهُوَ مُخْتَارٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ . وَهَذَا بِخِلَافِ فِعْلِ الْمُؤْمِنِ الطَّاعَاتِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْمُكْرَهِ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّاعَةِ خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ وَرَجَاءً لِثَوَابِهِ وَحُبًّا لَهُ ، فَبِذَلِكَ يُفَارِقُ حَالَ الْمُكْرَهِ . وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يَفِرُّ مِنْهَا الْفُقَهَاءُ وَهِيَ : إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ : إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينِي أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَقَالَتْ : أَنَا أُحِبُّهُ . فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : إِنَّهَا تُطَلَّقُ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَخْتَارُ ذَلِكَ وَتُحِبُّهُ افْتِدَاءً بِهِ مِنْ مُعَاشَرَةِ زَوْجِهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهَا لَهُ ، وَجَهْلًا مِنْهَا بِتَصَوُّرِ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، فَتَكُونُ صَادِقَةً فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ . وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ يَقُولُ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَبِّ ، أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ ! فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ ، فَاخْتَارَ أَخَفَّهُمَا دَفْعًا لِأَعْظَمِهِمَا - أَنَّهُ يَكُونُ مُحِبًّا لِمَا اخْتَارَهُ مُخْتَارًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ . وَأَمَّا مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهِ مُحِبًّا لِلْآخَرِ فَهَذَا أَوَّلًا غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ " أَفْعَلَ " التَّفْضِيلِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُشَارَكَةُ مُطْلَقًا ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ : الثَّلْجُ أَبْرَدُ مِنَ النَّارِ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا تَمْتَنِعُ فِيهِ الْمُشَارَكَةُ ، وَتَأَوَّلُوا فِيهِ " أَفْعَلَ " بِـ " فَاعِلٍ " فَكَذَلِكَ تُتَأَوَّلُ هَاهُنَا . وَمِمَّا بَقِيَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا " - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : " مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا قَضَى فِي بَرْوَعَ : إِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنَ الْخَطَإِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يَجُوزُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ غَيْرِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مُمْتَنِعَ مُطْلَقًا . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ ! قُلْ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " . خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ : " قُلْ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " - مُدْرَجَةٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَقْفَهُ عَلَى قَوْلِهِ : " وَمَنْ يَعْصِهِمَا " . وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الِاخْتِلَافَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي " تَفْسِيرِهِ " وَغَيْرِهِ . وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي وَاوِ الْجَمْعِ أَوْ أَلِفِ التَّثْنِيَةِ الْمُتَّصِلِينَ بِالْأَفْعَالِ نَحْوَ : يَفْعَلُونَ ، وَتَفْعَلَانِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِهِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " . وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ : إِنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية