الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                27 [ ص: 116 ] فصل

                                قال البخاري :

                                19 - باب

                                إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة

                                وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل


                                لقوله عز وجل : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا

                                فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله : إن الدين عند الله الإسلام وقوله : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه

                                التالي السابق


                                معنى هذا الكلام أن الإسلام يطلق باعتبارين :

                                أحدهما : باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه : إن الدين عند الله الإسلام وقال : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه

                                والثاني : باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين .

                                واستدل بقوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وحمله على الاستسلام خوفا وتقية .

                                وهذا مروي عن طائفة من السلف ، منهم مجاهد ، وابن زيد ، ومقاتل بن حيان وغيرهم .

                                [ ص: 117 ] وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي كما رجحه البخاري ; لأنهما لا يفرقان بين الإسلام والإيمان ، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر .

                                وهو اختيار ابن عبد البر ، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود .

                                وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية على الفرق بينهما ، ويقول : نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام ، كما نفى الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي .

                                وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس وقتادة والنخعي ، وروي عن ابن زيد معناه أيضا . وهو قول الزهري وحماد بن زيد وأحمد ، ورجحه ابن جرير وغيره .

                                واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان .

                                وكذا قال قتادة في هذه الآية ، قال : قولوا أسلمنا شهادة أن لا إله إلا الله ، وهو دين الله ، والإسلام درجة ، والإيمان تحقيق في القلب ، والهجرة في الإيمان درجة ، والجهاد في الهجرة درجة ، والقتل في سبيل الله درجة .

                                خرجه ابن أبي حاتم .

                                فجعل قتادة الإسلام الكلمة ، وهي أصل الدين ، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب ، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم ، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم .

                                [ ص: 118 ] ويدل عليه قوله تعالى : وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا

                                واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما ; فقالت طائفة : الإسلام كلمة الشهادتين والإيمان العمل ، وهذا مروي عن الزهري وابن أبي ذئب ، وهو رواية عن أحمد ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه .

                                ويشبه هذا قول ابن زيد في تفسير هذه الآية ، قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم ، فرد الله عليهم ، وقال : لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا فقال : الإسلام إقرار ، والإيمان تصديق .

                                وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث .

                                وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد ، وقال : الصحيح أن مذهبه أن الإسلام قول وعمل رواية واحدة ، ولكن لا تدخل كل الأعمال في الإسلام كما تدخل في الإيمان .

                                وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة ، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام ، وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام .

                                كذا قال ، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة ، فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا .

                                والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا .

                                وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص ، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة .

                                [ ص: 119 ] هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي ، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار ، وطعن فيه . وروي عن حماد بن زيد نحو هذا أيضا .

                                وحكي رواية عن أحمد أيضا ; فإنه قال في رواية الشالنجي في مرتكب الكبائر : يخرج من الإيمان ، ويقع في الإسلام .

                                ونقل حنبل عن أحمد معناه .

                                وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره ، وهي اختيار أبي عبد الله ابن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب .

                                وقالت طائفة : الفرق بين الإسلام والإيمان أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب ، فهو علم القلب وعمله ، والإسلام الخضوع والاستسلام والانقياد ; فهو عمل القلب والجوارح .

                                وهذا قول كثير من العلماء ، وقد حكاه أبو الفضل التميمي عن أصحاب أحمد ، وهو قول طوائف من المتكلمين .

                                لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام ، وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها في الإسلام ، كما سبق .

                                فلهذا قال كثير من العلماء : إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران ; فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه ، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ .

                                وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان ، ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان المنفرد [ ص: 120 ] بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل .

                                وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة ، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص ، والله أعلم .

                                والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن الحسن ، وابن سيرين ، وشريك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، ومؤمل بن إهاب . وحكي عن مالك أيضا ، وقد سبق حكايته عن قتادة ، وداود بن أبي هند ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، وحماد بن زيد ، وأحمد ، وأبي خيثمة . وكذلك حكاه أبو بكر ابن السمعاني عن أهل السنة والجماعة جملة .

                                فحكاية ابن نصر وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد ، بل قد قيل : إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق ، والله أعلم .



                                الخدمات العلمية