الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3953 211 - حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا حَصِينٍ قَالَ : قَالَ أَبُو وَائِلٍ : لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ ، فَقَالَ : اتَّهِمُوا الرَّأْيَ ; فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ مَا نَسُدُّ مِنْهَا خَصْمًا إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خَصْمٌ ، مَا نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي لَهُ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ تَأْتِي مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ ذِكْرَ أَبِي جَنْدَلٍ الَّذِي كَانَتْ قَضِيَّتُهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ رَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ لَمَّا جَاءَ فِي طَلَبِهِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفِي آخِرِهِ لَامٌ ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِيمَا مَضَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي اللَّيْثِ الْمَرْوَزِيُّ الْمَعْرُوفُ بِحَسْنَوَيْهِ ، يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَجْهُولٌ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ : وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَمَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ أَبُو جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْبَزَّارُ ، وَأَصْلُهُ فَارِسِيٌّ كَانَ بِالْكُوفَةِ ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ ، وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ ، وَرَوَى عَنْهُ هُنَا بِالْوَاسِطَةِ ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ الْوَاوِ - الْبَجَلِيُّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيمِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَأَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْكُوفِيُّ ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ النُّونِ ، وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ ، وَفِي آخِرِهِ فَاءٌ - الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ الصَّحَابِيُّ . قَوْلُهُ : " مِنْ صِفِّينَ " يَعْنِي مِنْ وَقْعَةِ صِفِّينَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ، وَصِفِّينَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ . قَوْلُهُ : " اتَّهِمُوا الرَّأْيَ " أَيِ اتَّهَمُوا رَأْيَكُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ سَهْلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْقِتَالِ ، فَقَالَ : اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ ; فَإِنِّي لَا أُقَصِّرُ ، وَمَا كُنْتُ مُقَصِّرًا وَقْتَ الْحَاجَةِ كَمَا فِي يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ ; فَإِنِّي رَأَيْتُ نَفْسِي يَوْمَئِذٍ بِحَيْثُ لَوْ قَدَرْتُ عَلَى مُخَالَفَةِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُ قِتَالًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ، لَكِنْ أَتَوَقَّفُ عَنْهُ الْيَوْمَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : " فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي " أَيْ فَلَقَدْ رَأَيْتُ نَفْسِي . قَوْلُهُ : " يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ " أَرَادَ بِهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ إِذْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ . قَوْلُهُ : " وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ " أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ مَا تَوَقَّفَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْقِتَالِ إِلَّا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّقْصِيرِ فِيهِ ، ثُمَّ أَكَّدَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ : " وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ بِمَا أَقُولُهُ وَبِمَا كُنْتُ فِيهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ . قَوْلُهُ : " وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا " يُرِيدُ بِهِ الْبَأْسَ وَالْقُوَّةَ ، وَالْعَوَاتِقُ جَمْعُ عَاتِقٍ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ مَنْكِبِ الرَّجُلِ إِلَى عُنُقِهِ . قَوْلُهُ : " يُفْظِعُنَا جُمْلَةٌ " وَقَعَتْ صِفَةً لِقَوْلِهِ : " لِأَمْرِ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ . مِنْ أَفْظَعَ الْأَمْرُ إِذَا اشْتَدَّ ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : يُقَالُ : أَفْظَعَ الْأَمْرَ وَفَظِعَ إِذَا اشْتَدَّ ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْفَاءِ مَعَ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ التِّينِ بِالضَّادِ ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ أَمْرٌ مَهُولٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : رُوِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، قُلْتُ : حِينَئِذٍ يَكُونُ ثُلَاثِيًّا مُجَرَّدًا ، وَعَلَى رِوَايَةِ الضَّمِّ يَكُونُ ثُلَاثِيًّا مَزِيدًا فِيهِ ، وَفِي الْمَطَالِعِ قَوْلُهُ : " لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا " أَيْ يُفْزِعُنَا وَيَعْظُمُ أَمْرُهُ وَيَشْتَدُّ عَلَيْنَا ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْفَاءِ مَعَ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ . قَوْلُهُ : " قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ " لَفْظُ قَبْلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ : " وَضَعْنَا " وَأَرَادَ بِهَذَا الْأَمْرِ مُقَاتَلَةَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : " مِنْهَا " وَيُرْوَى مِنْهُ أَيْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ، قَوْلُهُ : " إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا " أَيْ إِلَّا اسْتَمَرَّتْ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَفْضَتْ بِنَا إِلَى سُهُولَةٍ ، قَوْلُهُ : " خُصْمًا " بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ الْجَانِبُ الَّذِي فِيهِ الْعُرْوَةُ ، وَقِيلَ : جَانِبُ كُلِّ شَيْءٍ خُصْمُهُ ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَخْصَامٍ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْخَصْمَيْنِ : خَصْمَانِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْخُذُ بِالنَّاحِيَةِ مِنَ الدَّعْوَى غَيْرَ نَاحِيَةِ صَاحِبِهِ ، وَأَصْلُهُ خَصْمُ الْقِرْبَةِ ، وَلِهَذَا اسْتَعَارَهُ هُنَا مَعَ ذِكْرِ الِانْفِجَارِ ، كَمَا يَنْفَجِرُ الْمَاءُ مِنْ نَوَاحِي الْقِرْبَةِ ، وَكَانَ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَذَا يَوْمَ صِفِّينَ لَمَّا حَكَمَ الْحَكَمَانِ ، وَقِيلَ : الْخَصْمُ الْحَبْلُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الْأَحْمَالُ ، أَيْ مَا نُلَفِّقُ مِنْهُ حَبْلًا إِلَّا انْقَطَعَ آخَرُ ، وَالْحَدِيثُ مَضَى فِي آخِرِ الْجِهَادِ مُخْتَصَرًا .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية